Thursday, June 13, 2013

كباقي البَشر

 

كباقي البَشر .

 

com

 

 

مَنْ اقترفَ منّا الحب أكثر ؟

مَنْ حرّك القلم على وجه الدفتر ؟

مَنْ أسلمني للضياعِ كل هذه السنين

و أنكرْ ..

أنهُ قلبي الذي لا أحيدُ عنهُ مبلغَ إظفرْ .

أتذكرْ ، و سأظلُّ مدى العمرِ أتذكّر

جِلستك و خلفُكِ تسترخي أغصانُ الشَجر

في ظلال ٍ فاقدة اللون ِ ، تتكئينَ على الحجر

مشيتُ بقربكِ أجرُّ هزائمي مُثقلُ الظَهر ..

كأنمي ناظريّ يظنني بالغٌ في القِصر .

طاوياً رقبتي كمالك ِ الحزين في جفافِ المَطر ..

لو أنكِ ضممتني في تلك الساعة ِ لتغيّرتْ ساعات القدر

لو أنكِ وعيتِ أن مسافراً ليسَ يجنحُ للغياب لو تأجّل السَفر

لو أن واحداً في المطار قالَ لهُ يا أخي لا تغادرنا و اعتذر

لو أن عجوزاً بكتْ على صدرهِ مصادفةً و قالتْ لهُ انتظر

كانتْ نصائحُ الحبيبةِ المؤجّلة حينئذٍ لا تضيعُ بلا مستقر

 

يا صاحبة الندوب نسيجُ الجُرحِ أنبتَ فيهِ الزهر

أزهارٌ  بلونِ  الدَم  القاني ، رائحتُها تفضحُ الجاني المستتر

ثملٌ أنا بإبتسامتها إلى اليوم ، و قد أجرعتني من تأدّبها الخَفر

ما خافتْ من صديّ البريء للصور .

فأنا بِكرٌ في مخيلتي لم أزل و طفلٌ مثل القمر

بل سخرتْ و تندّرتْ و وصمتني بغريبِ البَشر

ضحِكتْ باللؤلؤ في فمها و سمعتُ اللؤلؤ ينكسر

عن اسمي و رَسمي و شحوبِ وجهي الأصفر

 

أزهارٌ سيقانها كالخناجر في صدرِ التراب الأسمر

تتدلى بتلاتها البيِّض بلا اهتمامٍ مُضمَر

لا دليل لديّ لا حُجة و لا بصماتُ الأثر

لا بّد ليدٍ مجهولة أن مُدّتْ و تركتْ فوق الصخر

فوق دفاتر الشِعر ..

فوق ليال السهر .

أنفاسُكِ التي أُحِب .. أنفاسُك التي مثل العِطر .

و إلا مالذي يُمسِك عليّ خيوط القَدر

و يجعلني حائراً أتهيّبُ من حولي الخَطر

و كلما أردتُ أن أطلقَ لحناً انقطعَ الوتر

أرثي لحالي و أندمُ بغير صَبر

فإذا الجيادُ انهزمَتْ قوّادها لم تُلم

على الفَرر ..

يا ليتني كُنت جباناً جرّاء الظَفر

و لا كُنتُ شجاعاً خاسراً إيّاكِ مدى العُمر

و إذا الجيادُ التقتْ هناك ذليلة المَنظر

تتخافتُ في إثرها الأصداءُ و المَغبر

تشتهي انتحارها أو يأتيها بعدَ لأي ٍ الخَبر

فإنها مشدودةً تلبثُ إلى الأمسِ المُبهِر

عصيُّ عليها أن تفقدَ الذاكرة فجأةً في وقتٍ لا يُذكر .

كي تنطفىء ملامح الرجل المُنتصِر

و أذبّ عن الأزهار نحلاً مجهولَ المَصدر ،

لعلّهُ خرجَ من الأشجار من المختبرِ من الدفتر

سأمضي خاليّ الركب إلى حتفي كباقي البشر .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Friday, April 19, 2013

. أمي

 

أمي .

 

babyandmom 

قطعة ُ العجين التي تسري خلالها دماؤها و تتقاطُعُ آثارُ العروقِ و الجُرحِ و السُّرة ، تقومُ بتقليبها و الطبطبة ِ ما شاءَ لها الإنتفاخ و اتخاذَ هيئةَ المخلوق الكامل ، ذو الساقين المغروزين في بطن ٍ يعلوهما رأسٌ بشعر ٍ خفيف و زريّن يحدِّقان من مرقدهما بين الجفون إلى أطلال هذا العالم . و الأمُ فتاةُ الأمسِ ، التي أَمنتْ رجالَ الحقل ، إذْ باتوا ينادونها بأمِّ فلان ، خطبها واحدٌ منهم بشاربين ثقيلين و وجه ٍ قاس بسببٍ من وهجِ الشموس و قلّة النوم و الأكل . سيجيءُ من النافذة التي يلوحُ عليها ستارٌ شفّاف ، تراهُ من جلستها بين الوسائد المشغولة بشكلٍ يدويّ ، في فترةِ المغرب . يمشي قُربَ الأشجار .. يحيّ الأرض و يَفحصُ البراعم الجديدة التي نَمتْ على الأغصان .

و الأمُ الزوجة تكمشُ من المُنخل ، الخشبيّ المستدير ، حفنات القهوة و تُلقي بها على النار لكي تتحمّص و يَكسحَ جوُ المساء رائحةَ القهوة المُنعِشة ، فتختلطُ برائحةِ الأرض في أنفهِ الكبير ، فتظنّ أنها قد استعجلتهُ ، و ها هو يكسرُ صمت البيت بندائه .

ينحنيّ و يرفعُ الطفل عن سجّادة الصلاة . تُسرِعُ الأم فتغسلُ رأس وليدها المتوسِّد كتفَ الأب بماءِ زَمزم . و الأبُ يمسِّد على ظهره و أذنيهِ المُنمنمتين ، و يلهجُ بالدعاء و الأم تردد ما تسمعهُ من زوجها . فيجتمعُ الثلاثة بالتصاقٍ يلوي فيهِ الخوفُ عنقه ، و تتفتحُ مسامُ الكلام عند الأم لكي تُفصِحَ عمّا جالَ بخاطرها طيلة اليوم لزوجها ، و تغدو ملامح الزوج أقلُ قسوة ، و يختفي الرضيعُ في أحلامهِ الخاصة .

-" ناحَ العكروتُ الصغير " ، يقولُ لها ، و يهزّها من نومها كأنما يهزُّ جذع كرمة ِ عنبٍ حَفرتْ الأرض جَنبه . تقومُ متثاقلة . تدفعُ بثديِّها الأشقر من تحت الثياب و تدسُّ في الفمِ الصارخ حَلمتها . دودةٌ حمراء ترتعشُ في شقِّ الصخرة ، و يحكُّ الرضيع برأسه ِ مَلمس الثديّ الناعم ، و لا يُفلِتْ بشفتيهِ نافورة الحليبِ التي يَنصبُّ نَشيشها في حلقهِ و يُرطِّبُ جَوفه .

يراقبُ الأب هذا المشهد ، و قد شبّكَ بين أصابعه ِ خلفَ رأسه . لقد نهَضَ إلى مَطرحٍ قصيّ و عَملَ نَفسهُ لا يُتابِع . لكنهُ مُنتشيٍ كفاية .. و يوميء من طرفٍ خفيّ إلى امرأتهِ باتجاه النصفِ المستور من صَدرها ثم يشيرُ إلى نَفسه .

فتضحكُ و تقولُ لهُ :

- " لقد خَلُص دورك .. "

تتابع الأيام و يستديرُ جسد الطفل . تملأ الأسنانُ فَمهُ ، و يستطيلُ رمشُ عينيه مثل الفراشات . تقلقُ الأم ، فقد حانَ وقتُ فطامه . لا شأنَ لهُ منذ اليوم بثديِّها .. سيتخاصمان . تَقدحُ زِنادَ عقلها في البحثِ عن طريقة لأجل أن يكفَّ الطفلُ عن طلبها . و يُقلعَ بنظرهِ إلى بستان ِ الحقل بدلاً من البستان صَدرها . و يفهم في غور غريزته أن ثمّة مذاقٌ آخر على شفتيه عدا مذاقُ الحليب ، و بَردٌ يَعصِفُ بالعِظام .. و مسافاتٌ تُقطع أبعَدَ من صدرها إليه .

فأخذتْ من سائل القهوةِ المُر و دَهنتْ أطرافَ الحلمة . ثم جّذبتْ إليها الطفل ، فجعلَ يشدُّ و يرخي باطنَ الثدي كالقربةِ ، قبلَ أن تتدفق كآبةٌ إلى روحه ، و يحسَّ لأول مرة في حياتهِ بهاظةَ الشيء المغشوش .

بَصقَ الحلمة و خبطَ بقدميه . بكى من القهر ، سالتْ دموعهُ ، و تورّدَ سؤالٌ في فيه : " يا أمي لماذا ؟ " .

 

في ظهيرةِ احد الأيام ، شاهدَ من فُرجةِ النافذة ، بأمّ عينيه ، جسماً كبيراً يتألفُ من بُقعٍ سوداء و بيضاء ، يأكلُ من عُشب الأرض . أَعجبهُ منظرهُ ، و زادَهُ رغبة ً أن يقترب َ ، لا سيِّما نفورهُ الطاغي و الهزيمة ِ التي مُنيَّ بها مؤخّراً . فزحفَ نحو النافذة ، و حدقتاهُ لا تنفكّان مُعلقتان بضرعِ البقرة ، و استراحَ تحتها يَمضغُ الحليب ، بينما تخورُ البقرة و تهزُّ ذَنبها .

قالتْ لزوجها : " الشعورُ بالذنب يأكلُ صَدري و يَفرشُ مَهجعي بالأشواك . لقد سلبتُهُ ما كانَ يلهفُ و يرنو إليهِ دائماً ."

 

على العُشب ..

يستمرُّ بمصِّ الضرع و إن ألفى عجلٍ يريدُ مزاحمته . لم ينقطع سيلُ الحليب ما دامَ متشبِّثاً بساقيِّ البقرة و فمهُ مفتوحٌ على اتساعه في مواجهة ِ الضرع .. و يَعضُّ .

بيد أن العيد جاء ..

ذَبحوا البقرة ، خرجَ منها سائلٌ أحمر . هّمَّ بالبكاء .. إلى اللحظةِ التي شاهدَ فيها أمهُ تنتظرهُ ، فاتحةً ذراعيها بشوق ٍ ، عند الباب .

1-3-2013

 

Friday, March 29, 2013

عُرس الرمّان المؤجَّل

 

                                                           ( عُرس الرمّان المؤجَّل ) / قصة قصيرة .

 mmv-designing-pomegranate-mohamad-mahdi-vejdani-20517588-1151-1293

ترنّحَتْ كثيراً قبلَ أن تسقطَ حبّات الرُمان من فمها على الأرض . كان يُمسِكَ بيدها فيحسُّ بنبضها الساخن و الدمُ يجري في غورها دفقات ٍ متقطّعة ، كُل واحدة ٍ يَكادُ يَسمعُها تنطقُ بإسمهِ علناً ، و في باطن ذراعها البيضاء الرَخصة انتفخَتْ شراينٌ خضراء بلونِ العشب ، فرفعَ رأسهُ و تطّلعَ إليها فوجدها تلهث بصعوبة . ساءلها بعينينِ حزينتين لعلّها تُجيب . لكنها لاذتْ بصمتٍ مُطبق ، و فاضتْ وجنتاها بحمرةٍ قانية تفشّتْ و ارتعشتْ لها الشفتان ذاتا النتوء الجلديّ الأشبه بالثؤلولة . يحتضنُها بين الحشائش و رمل الغابة ، إلا أنهُ آثر أن يفعلَ ذلك بشرف .. كأنما فارسٌ شجاع يمسُّ أرنبة أنف خصمه دونَ أن يجرحها أو يخدشها .

التي طَفرتْ لأجلها عيناهُ بالبكاء و أحسَّ من خلالها بنشوة ِ ذرف الدموع على رغم ٍ من تجهِّم طبعه و خشونة ِ ردّ أفعاله . كانت هي ، المكتنزة و الممتلئة كوردة ٍ مضمومة و المحشوّة برحيق ٍ معسول ، المُشتهاة لديهِ أبداً ، و التي لا يقدرُ على استيعابها في أحلامه ما دامَ حَضَرَ وجهها الحلو في مخيِّلته و ابتسامتها المقسَّمة على غمّازتين بالتساوي . ذاك ما يسميّه عَدل الجمال ، و أن بوسع الجمال أن يَحَكُمَ جنباً إلى جنب مع الحكمةِ و القوة . بل حدا بهِ الأمر أن يَقصِدَ بيت المختار كي يُفاتحه بما جادتْ بهِ تأملاّته الطويلة في ظلِّ شجرة الرمان ، و يَشرحَ بجملٍ قليلة مُقتصِّدة أهميّةَ الجمال في حياة الناس و مَرد تجاهلهم و إزدرائهم لهُ هو سببُ مصيبتهم و سوء طالعهِم . افلتتْ من ذراعه و قد ندّتْ عنها تأوّهة ، أخذَتْ تحبو على ركبتيْها و شعرُها يتهادى تلاعِبهُ الرياح . مدّتْ يدها إلى حبّات الرمّان المُنتثرة و التقطتْ ما تَبيّنَ بعدئذٍ سِنّها الذي فقدتهُ أثناء تزاحم الرمّان و عصيرهُ في جوف فمها . حملتهُ في باطنْ كفّها و عرّضتُهُ لأشعة الشمس فلمعَ في رأسهِ مرةً أخرى مرآها و هي تلوّح لهُ بالوداع قُبيل الظهيرة بقليل .

سبّلتْ عينيِّها بينما تشاهدُ القط الرماديّ الذكر صاحب الخصيتيّن الكبيرتين يعبرُ على السور المهدّم ، و الذي بناهُ أبوها حول البيت الطينيّ كي يَمنع تسلل المارقين في الليل و السائحينَ في أرجاء القريةِ ، و منهم الثوّار الهاربون و اللُقطاء المشرّدون و المجانين و اللصوص و غيرهم . فيحولُ بذلك اتخاذ حديقة البيت الواسعة و المتراميّة الأطراف حتى البستان كملجىء ٍ و مَخبأ من المُطرادة ، فيأمن العواقبَ و شرور التحرّشات . لكن السور رجعَ فتهدّم ، خارتْ أحجارهُ مثلما انفرطَ سِنّها و هي تقضمُ قلبَ الرمّانة ، اليوم عند الظهر . أمسكتْ بثمرة ِ رمّان ٍ موضوعة بجوّار حبّات أُخرياتْ التقَطها لأجلها بنفسه . و قامتْ من مجلسها ضاحكة ً و رمتْ الرمّانة من الشبّاك المفتوح فدقّتْ القط في ظهره . ماءَ القط و جعلَ يُفلفِص بقدميهِ في الهواء ، مُتشبِّثاً بحافةِ السور .

قد شَهِدتْ القريّة بأهلها مجتمعين أجواءاً متوتّرة مرّتْ بها عند عصر ذلك اليوم . تواجهَ الشابّان ، و أعلنَ كلاهما أنهُ سيُمرّغ شوارب الآخر في الطين ، تطايرَ الشرر و أقبلا يشتبكان بالأيادي ليدقّا عنقَ بعضهما البعض . فرّقَ الناس بينهما ، إلا أن طلقة الرصاص التي خرجتْ من مسدّس جميل شبكة ، أبو علي ، هي التي تكفّلتْ بإنهاء الموقف و فضّ العراك . قال جميل لعصام : يا ولد ، نحن نعلم فصلك و أصلك ، و الأنسب لك بطن الوادي .. أعلمُ أن ولدي على حق ، و ليسَ لك في هذه القرية محطّ  رِجل .. انصرفْ الآن و لا ترنا وجهك .

مشى عصام في الطرقة الترابية يجرُّ خلفهُ الحمير المريضة . كان حانقاً يَحدِجُ الوجود بسَخط ٍ مقيتْ .. نَزلَ إلى حفرة ٍ صَنعتها يدُ الطبيعة ، كانَ في نيّتهِ أن يُدخِّنَ سيجارة غيرَ أنهُ استغرقَ في النوم و قطيعُ الحمير حولهُ مربوطةٌ تَمتنِعُ عن أكلِ حَشاشِ الأرض .

بَعدَ أن تجرّأ عصام الجربوع على مقابلته أمامَ الملأ ، و حرّضَ كل القريةِ عليه ، مُنبِّهاً للخطر الذي سيؤول إليهِ مَرض الحمير ، و لا علاقة مُطلقاً لإنقصاف شجر الرمّان و عُريه من الأوراق و عَدم حَبْلهِ هذا الموسم و ما أصابَ الحمير . بل إن خطأ علي ، ابن جميل شبكة ، خَلقَ أصل الخلل و البلاء . فمنذ عام ٍ و نيّف ، استحوذَ علي ، الشاب موفور الصحة الذي يمتلكُ لحيةً ناعمة ذهبية جذبتْ إليهِ البنات المُغرمات بقوّته و سطوته و اعتدادهِ بنفسه ، على حق التصرّف بالدواب المتحركة كالخيول و الحمير ، في عموم القرية و بتفويض ٍ من المختار ، طَردَ الحمير لأنها نسلٌ وضيع و تَركَ القرية أسطبلاً كبيراً تصفِّق فيهِ خَببُ الخيول و المهوّر . اشتكى الناس ، احتجوّا .. قالوا كلاماً لا يجوز أن يُقال بحضرةِ المُختار و الشادّ على يده ، الذي في ظهرهِ و سَنده ، الآغا جميل شبكة .

استبدلَ أهلُ القرية حَميرهم و أتونَهم بالخيول الأغلى سعراً ، بشرط أن يَذهب ريعُ المحصول للسنةِ الأولى من شُغل الخيول في الأرض إلى جيب الآغا .. و الكُل مُلزَم .

حَزرَ اللُعبة ، و صَدقَ حَدسُه إزاء ما اتفقَ عليهِ الشيطانان ( المختار و الآغا ) ، الحميرُ مَريضة و سيُلقى بها إلى مزبلةِ الوادي دون اعترافٍ بماضيها المجيد في خدمة الأرض و أهل القرية . يَجب عليهِ أن يتصرّف فوراً . على باب القرية توقّف ، كانَ يضع كفّه في جيبه و يتحسس سنّها اللؤلؤ الذي احتفظَ بهِ و يخافُ أن يضيّعه وسط الخناقة مع الإبن المُدلل ، علي جميل شبكة .

أقسَمَ إلا أن يأخذها و لو خطيفة ، صمَم أن يَعقِدَ عليها بعد صلاة المغرّب . حاولَ الأب أن يقنعهُ بتأجيل الموضوع ، لكنهُ أبى ..

- أنتَ و المختار سَمنة على عسل . تعرف ما في داخله جيداً ، و سرّه في يدك مثل قشرة رمّانة . و البنتْ أخمرتْ عقليّ و تُرضيّ صبَابتي و ذوقي . فإذا لم أتزوجها اليوم فلن أتزوجَ أبداً ! .

شرّقَ بالدمع قُبالة شجرةَ رُمانٍ صغيرة لم يَنبُتْ عليها ثَمرٌ بَعدْ . شَعرَ بأنهُ محسود و مُستضَعف مغموط في حقه . كان العرس يُشعِل ليل القرية و أصوات الرقص و الطبل تصلُ إليه فتنزلقُ فوق الصخور مرددةً الصدى خلال الغابة و على مسامع الحمير الميتة و التي نَفقتْ بعد أن قَضتْ المساء تَحتضِر .

فَركَ عينيهِ مُستسلماً لقَدرٍ حَتّمَ عليهِ الإستيقاظ كي يجدَ زهرتهُ قد ٌقُطِفتْ و صارتْ في عُروة ثوبِ مَنْ لا يستحق .

حَملها على فَرسه و الناس يهنأونهُ و يغنوّن خلفه . طارَ بها في الظلام و الغُبار يُكوّن زوابِعهُ و أعراسهُ الخاصة . مضى بها و كفهُ تَمسّد مسدّسهُ في جيبه ، يَخافُ أن تقومَ جثّة َ عصام من مرقدها وسط الحمير في بطن الوادي و تُفسِدَ عليهِ ليلتَه . خَطفَ قُبلة أولى من شفتيّها الريّانتين و ألقى بجسدها المُسرّبَل في ثنايا الفُستان الأبيض على المِقعد . صبّ خمرَ رُمان ٍ مُستوّرد و أحضَرَ كأسين ..

لم تشأ أن تُخبِرهُ أن طعم الرمّان الحاذق باتَ يَلذع الفراغ الذي خلّفهُ السِنّ في موضع اللثّة . بل أسلمَتهُ قيادها .. بحكم العادةِ و الجَبروتْ ..

29 – 3 – 2013

Sunday, February 24, 2013

من وحي إنكتاب

 

 

 

 

( من وحي إنكتاب ) .

clip_image002

الإهداء : إلى مجموعة " إنكتاب " القرائيّة .

مرتاحةٌ ظلالُ المساءِ في سكينة ،

و الضياءُ في كأسِ السماءِ مُذابْ ..

الأربعاءُ جاء .. تتهادى خطاهُ مثل سفينة ،

يطرقُ علينا الأبوابْ .

" يا أطفالَ المدينة .

يا مَنْ شببتم على صفحاتِ كتاب ،

اخرِجوا الكلمات الدفينة

من حرزِ الأشياءِ الثمينة و الأثوابْ .

فيا حُسن الكتاب ،

يطلبهُ الحائرين .. المُسالمين

في الزمن المُصابْ .

صفحاتهُ المبسوطة تُظهِرُ اللينَ ،

و يمرُّ من أنفكَ مرَّ السحابْ .

أفكارٌ عند قارىء ٍ يُصبحنَ و يمسينَ

ما مسّها مِخلبٌ و لا نابْ .

و أفكارٌ عند قارىء ٍ يبنينَ

مساكناً للفهم ِ بلا أبوابْ .

و أفكارٌ موسوسات ٍ مُتقلِّباتْ

تُطوِّحُ بها ريحٌ و تركبُ الدولابْ .

الآنَ ، تخرجُ عيونٌ ظمأة ، بمنهل ِ الحرفِ خَلينا ..

تمدُّ زينتها ، في كل عيد ٍ ، بين سؤال ٍ و جوابْ .

لكي يتضحَ أكثرَ السبيلُ فينا ..

و أيُ رماد ٍ جميل ٍ بين أيدينا ..

و أيُ فُلك ٍ فيه ِ احترقَ الشهابُ و غابْ .

حديثيّنا ، يا كتبُ ، كيف تبكي أشجارُ الفلين

و تبقى بناتُها الأوراقُ بلا أنسابْ ..

يجمعُها رأسُ قلم ٍ في عرس ِ حنين ،

و حيثُ مهدِ الجَلسة ِ ،

يُولدُ حديثَ العهدِ كتابْ ..

و ثوان ٍ ، بعد السابعة ِ ، قد فُضِضنَ

و نحنُ لا زلنا في حالة ِ ( إنكتاب ) ...

السبت ، 23 – شباط – 2013 .

 

Thursday, January 31, 2013

حُـبـكِ

 

images

 

حُبكِ

، حُبكِ بلادٌ بعيدةٌ لا تُوجد   

إلا في خيال ِ هائم ٍ تحت المطر ِ مُشرَّد 

شَعبٌ من سُقيا السماء انهمرَ و شعبٌ أرعد 

لَعِبتْ سيولُ الماء ِ بقدميه ِ و قطراتُها على جبينه ِ تتفصّد 

لكنهُ سُعِدَ بمرآك ِ يا امرأة

نامَ على خدّها هدهدٌ بلون ِ حنّاء

و أخلدْ

يا ابتسامة َ فَرقدْ 

ما أصعبَ من لُقياك ِ إلا المَبعد

هَنُأتْ مُقلتاي في وقت ٍ خلاء

من تاريخ ٍ يُوصَد

و جعلت ِ تخطفينَ من وجهي ما يحلو لك ِ

من صورتي

فهل يولدْ ؟

عاشقٌ في صورة ٍ بعد مَشهدْ

رُحماك ِ

أُشعِثَ القلبُ من عبث أصابعي

لأنهُ تعلّقَ بلعنة ِ أبجد

فحبرهُ دمٌ يحيا به ِ 

و دمُ قلبه ِ حبرٌ أسودْ

رُحماك ِ

إني في رحلة ِ الكلماتِ إليك ِ أتردد

و أقنعُ بأنَ لي غريماً من سلالة ِ عينيك

كريمَ المُحتَدْ

رُحماكِ 

أخافُ أن أشكركِ فأُحمَدْ

و لا أحوزَ العنوانَ و المقصدْ

فشكراً إذاً لبلاد ٍ بعيدة من خيال 

التي إن ناديتُ فيها نفسي 

أُوجَدْ

Monday, April 9, 2012

ياسمين

                                                                                     ياسمين .

 

jasmine

 

في بناء منعزل ٍ بشبّاك واحد و اطىء و مزراب طويل ، تشتمله حديقة واسعة غنّاء ، يحتلُ منها طرفاً قصيّاً عن البوابة ، حيث يسكن عامل الحديقة و حارسها في آن واحد ، و هو الذي قَدِمَ من الريف مؤخراً مصفّقاً بكفيّه الخشنتين على لاشيء . شابٌ في مطلع العمر ، متوسط القامة بشعر فاحم أسود . حطّت به الرحال واحداً من عمال المدينة ممن تجدهم على الأرصفة و في محطات الباص في الصباح الباكر متلفعين متلثمين كأنهم في صحراء ، يلبسون القبعات و القمصان المغبّرة ، مشعثي الشعر متهدّلي الشارب . و قبل أن تُصرف له وظيفة الحارس ، و هي التي كانت حظّاً سعيداً يُحسد عليه كما قال لهُ موظف البلديّة ، كان يحمل الطوب و اللِبن على ظهره و يصعد بها الدرجات التي لا تزال على العظم في ورش البناء ، مُفرغاً هو رفاقه شاحنة كبيرة في الصباح و أخرى ثانية في المساء . إلى أن بات يحسُّ بالدوخة و آلام في الرقبة ، و لم يكن لهُ من بُد سوى أن يفتّش عن شغل ٍ غيره ، ليس فيه من الإرهاق و الجهد مما يُضاعف عليه الأوجاع و الدّوار .

 

ثم استقرَّ في جنّته الأرضية ، محاطاً بالورود و الأشجار المتنوعة الطبيعيّة منها و الصناعية و حتى المستوردة . كانت حديقة عامة ، يربطها بالشارع الرئيسي طريقٌ قصير ضيّق كأنه مدخل ، يتوافدُ إليها الزوار و المتنزهين نهاراً ، فتعجُّ بالبّاعة المتجوليّن و الأطفال اللاعبين اللاهين بالألعاب و المراجيح ، هذا ما عدا القادمين إلى المتحف أو المكتبة ، مما يخلُص إلى نتيجة أن الحديقة في النهار ليست هي الحديقة ذاتها في الليل . متى ما أُشعِلتْ الأضواء و مشى تحت أنوارها شابٌ و فتاة ، أو أم تجرُّ عربة طفلها ، أو جمعٌ من الشباب قليل جاء يروّح عن نفسه بالسهر . و رغم أن ذلك كله كان يمضي رتيباً لا جديد فيه ، إلا أن حمية العمل و الرغبة الضارمة بأن تغنى الحديقة أكثر و تبقى في أحسن حال فيها ما فيها من المسرّة و الإبتهاج ، كان كفيلاً بأن يظلَّ ممسكاً بمقصّ التقليم و طوريّة الحراثة و منكوش التراب . حتى إذا ما فَرُغَ من عمله جلس مساءً يتأمل العالم في حديقته ، ناظراً إلى مريديها محدّقاً في الوجوه ، مسترقاً السمع للأحاديث . في حين يلامس وجهه نسيم المساء البارد ، فتكرُّ به الذاكرة إلى قريته البعيدة و أعراسها و غيطانها و محافلها . لم تكن قط تُثلِج في قريته ، كانت تكتفي السماء هناك بالمطر ، فتفيضُ الآبار و ترتوي الأرض المشاع . نَدفتْ منذ يومين ثلجاً مثل القطن يسّاقط بروية و شاعرية تورثُ النفس شعوراً بالراحة و السكينة . سقط الثلج ساعة الظهر ، شاهده و هو يتكوّم فوق أوراق نبات السيّاج و النَجيل ، و يغطيّ أحواض الطين ذائباً على السطوح و حوّاف الجدران ، مصحوباً بتيّار هواء ٍ بارد ، أرغمهُ على الإكتفاء بالنظر من خلف زجاج النافذة ، و هو الذي يرغب بالخروج و القبض على البياض المقصوف براحتيّه ، ممرراً قطرات الماء الخفيفة في خطوط يده . و بينما هو يمليّ عينيه و يقلّب وجهه ذات اليمين و ذات اليسار ، إذ وقع بصرهُ ، في الجو الغائم مغبّش الأضواء ، من خلال زجاج النافذة المسيّجة و المعرّقة بالبلل ، على شخص تبيّن فيما بعد أنه فتاة . كانت متناسقة القوام بجذع ٍ ملفوف لا هي بالسمينة و لا النحيفة ، بنفس طوله تقريباً . كانت واقفة ً فوق المقعد الحجريّ الطويل ، تعبثُ أناملها بعريشة ياسمين مدلاة ً فوق السيّاج  ، و لم يكن عليها غير بلوزة من الصوف ، و حجاب يسترُ قماشه رقبتها و جانبي رأسها . و بان على السماء أنها بوارد الزخّ و الغزارة في منحها و عطائها . فخطرَ لهُ تسليفها معطفهُ ، و هي الوحيدة الموجودة في مرمى شِباك المطر و الوحيدة التي لا يُفهم سبب وجودها في الحديقة المكشوفة في مثل هذه الساعة . و على الفور ، جَذبَ طرف المِعطف و راح يركض بإتجاه الفتاة غريبة الأطوار . مدّ لها إياهُ مفتوحاً بالعرض كي ترتديه ، و كان قد لاحظَ أنها بنفس طول قامته تقريباً ، و إن كان على نحافة مرضيّة بعض الشيء . أدخلتْ ذراعيها فيه و زررته حول خصرها ، و قد اتشحّ وجهها بحمرة الخجل و سمع منها كلمة شكراً و رأى يديها تستقران بجنبها بعدما كفتا عن التلصص في الياسمين . و في اليوم التالي ، طُرِقَ الباب طرقات يد ٍ صغيرة ، و انفرجَ حقاً عن وجه ٍ صغير مدوّر عرفَ منهُ أنه ُ أخيها الأصغر و قد جاء يردُّ المعطف ، و لم يدعْ مجالاً لكلمة واحدة ، إذْ أخذَ يجري نحو البوابة بإتجاه الشارع الرئيسي .

 

تحسّن الجو و كفكفتْ السماء دموعها بغيم ٍ أبيض كالمناديل . وضعَ المعطف الذي أرعشهُ استلامه مرة ً أخرى ، لقد كان يضمُّ في بطانته أنثى كاملة قبل ساعات قليلة ، منسحباً على كتفين ناعمين ليسا كتفيه . ظلَّ يفكّر فيها طول الليل ، و لما أثقل جفنه الكرى قُبيل الفجر ، أيقنَ حينما استفاق ، أن أفكارهُ لم تدعه و شأنه ، بل لقد حَلُمَ بها و هي تسحبُ اناملها من الياسمين مولية ً ظهرها للأشجار و النافورة تغرغر على لا مبعدة منها ، و لم تكن السماء تُمطر . و فجأة ً انقلبتْ العريشة إلى صِلّ برأس ٍ أصفر . فصرخ و صرخ ، و كان لا يزال خلف الزجاج ، في الفراغ . و عندما قامَ بسحب المزلاج إلى الأسفل استعصى و لم يفتح ، و لما بدأ يفتّش عن المفتاح كان قد عاوده الدوار في رأسه .. و استيقظ .

 

شمّ للمِعطف رائحة عِطر ، و دفءاً بين ثناياه خالهُ لوهلة ٍ لها ، لكنه تذكّر فردهُ إياه فوق المدفأة . لم يكن لون المِعطف أو تفصيّلتهُ الرجاليّة لتلائم تلك الحوريّة . لكنها على أيّة حال دخلتْ فيه و مرّرتْ لحمها و عظامها في خيوطه ، و هو الآن يتحسّسه و يقلّبهُ بين يديه ، مقرّباً إياهُ من أنفه ، داسّاً كفيّه في جيوبه ، معانقاً جوانبه .. ياقته ، أزراره ، حواشيّه . و ظلّ شارداً في وقوفه حتى تناهى إليه أصواتٌ ضجّتْ في الخارج ..

 

عُنيَ بالعريشة منذ تلك اللحظة أشد العناية و أبلغ الإهتمام ، قصّ أطرافها الذابلة المصفّرة و اعتاد سقايتها كل مساء . كان يغضب لمجرّد أن رأى أحدهم يقترب منها أو يهمّ بملامستها ، كانت مرخية ً أذيالها فوق أسلاك السياج بدلال و زهو ، أصلها في حوض حجريّ أشبه بالكأس . و مع الأيام نَمتْ و أينعَ بياضها و باتت محط الأنظار و علامة للإنشداه و الإعجاب .

 

و في الأيام الممطرة التالية ، ظلّ متسمّراً قبالة النافذة كالمسحور ، يرقبُ فتاته التي لا تأتي . راودتهُ خاطراً وامضاً .. تتسربلُ ميّاسة ً طريّة كغصن ِ البان ، يعثرُ إثرها على عصفور ٍ منكمش ٍ في صدره ، يلمسهُ بأصبعه ِ لأجل أن يطير و يرفّ في الفضاء .

 

تبلل الوشاح على رأسها ، و ساحَ الكحل من على عينيها .. و لم يطر العصفور ، ظلّ وحيداً منكمشاً متربّصاً ينتظر ، بحاجة لأن يسمع كلمة أخرى من شفتيها المُدمتين ، فصوت رصاصة ٍ أخرى .. و يقفزُ العصفور من الدغل .

Sunday, April 8, 2012

الشتاء

 

11 

الشتاء .

أعبرُ الشارعَ و الذي يليه . لا ترهبني الأضواءْ

و القمرُ صغيرٌ ، و الأرضُ معتمة ٌ كما السماءْ

و القمرُ نوره لا ينيرُ ، فكل الطريق ِ اختباءْ

و يقيني في الليل ِ صوتُ خطويّ ..

و مصابيحُ سيّارات ٍ ضوءها نحويّ .

أعبرُ الشارعَ و الذي يليه . فتختلطُ في أذني

أحاديثُ العابرين مساءً ، بضجّة الشارع العموميّ

و خطوهم يشبهُ خطويّ ، و قد باتوا الآن حذويّ

لكنيّ ما ميّزتُ فيهم صوت الرجل ِ من صوت النساء

ضحكاتهم ، سكناتهم .. رجفاتهم من بَرد المساءْ

" و كلامُ الباعة ِ أبلغُ من كلام ِالراصد ِ الجويّ . "

 

تُطالعني واجهة ُ محل ٍ ، بالقبّعات ِ و المعاطف ِ و الحِذاءْ .

و ما الربيعُ و الخريفُ و الأصياف تسكننيّ

لكنها الأشياءْ ..

الأثمارُ و الأزهارُ و الغصون الخضراءْ

و ورق ِ الشجر ِ يسحقه حِذاءْ

و عَرقُ الصيف ِ ، تسلّلَ فوق جبهتي كالماء

إلا الشتاءْ ..

هزّ عظميّ .

شدّ لحميّ .

ألهبَ بَردهُ حلقيّ ،

و جيبيّ ..

بأسعار ِ الدواءْ .

إنه الشتاءْ ..

أواجههُ وحديّ .

بسُبات ٍ طويل ٍ و شفاه ٍ تذويّ

في وضوح ِ لفافة ٍ بيضاءْ .

لعلّ بياضها يبددُ سوادَ حُزني .

 

أعبرُ الشارعَ و الذي يليه . بالمقهى المُضاءْ

أفرِشُ الجريدة َ على طاولة ٍ بكرسيّ .

و اسمعُ صوتَ النرد ِ يرويّ ..

قصة الأخشاب ِ و الألواح الجرداءْ .

زبونٌ يجلسُ على جنبيّ

ألحّ بالنِداءْ ..

و لفرط صبريّ .

قلبتُ الصفحة َ الأخيرة ، و لا أدريّ ..

هل بردُ الشتاءْ ؟ أم سطوعٌ في الأضواءْ ؟

صوّرنيّ إيّاها .. وحيدة ً في العَراءْ

تلكَ التي رافقتني .

و تركتني وحيداً ذات مساءْ .