Saturday, March 24, 2012

الفأرُ الأعمى

 

Rat-Sneek

 


كعادته ألفاهُ يركض في الدولاب الصغير ذو المسننات المستطيلة التي لا يتجاوز طول واحدها عُقدة الأصبع . كان في قفص ٍ موضوع على الطاولة ، فأرٌ أبيض بذيل ٍ غريب الشكل ، يؤرجحُ به خلفه كلما صعدَ إلى الدولاب بمشيئته كل يوم . يستمرُ بالركض الذي يجعلُ الدولاب يدور كأنما إلى لا نهاية . هو فأرٌ أعمى رهين محبسين ، اكتشفَ ذلك منذ مدة طويلة ، و لكنه عَجِبَ مع مرور الوقت من مقدرته العجيبة على المواصلة . رغمَ أنه لا يرى ، ثم لماذا يصرّ على الدخول إلى الدولاب و الجري فيه ؟! . هل هو اليأس ؟ ، لكن المضي في المحاولة مُتعب ، فهل هذه الروح لا تيأس و لا تتعب ؟ . و ما هو معينها الذي يبدو أنه لن ينضُب إلا بالموت ِ و الفناء ؟ . الحياة ؟ حُب الحياة ؟ . أعرفُ أنها كافية لكي يدافع عن وجوده ذاك الدفاع الوحشيّ و ليس الصعود إلى الدولاب فحسب . لكنني وصلتُ إلى هذه النتيجة متأخراً ، أي بعد أن تحوّلتْ قطعة اللحم التي تحب الحياة و التي لفظتْ الروح من بين جنباتها أخيراً ، هذه الروح التي كانت أشبه ما تكون بمرجل ٍ يغليّ بالتشبّثْ رغبة ًأزليّة بالبقاء و الإستمرار ، إلى قطعة باردة خالية من الدفء . لقد ماتْ . رفعتهُ من ذيله إلى مستوى نظري ، مُقلِبّاً إياه جسداً هامداً فاقداً روحه حال لونه إلى الشحوب ، فوق سطح الطاولة . وصلتُ إلى نتيجة أن ليس هو الخوف و لا الرغبة بتاتاً إنما هو الحب . كان أبيض الشعر بأرجل ٍ قصيرة و ذيل ٍ غريب الشكل كما وصفتُهُ من ذي قبل .

تملّكتني نزعة خبيثة إلى أن أفاقِم معاناته ، فعمدتُ إلى تعذيبه و مضاعفة شقائه . أول الأمر ، جعلتُه في مواجهة القِط السمين وحيداً أعمى بلا أي أمل ٍ للنجاة أو أن ينفد بجلده . إلا أن القِط تركه بعد وقت ٍ قصير و لم يَهمّ بالإقتراب منه خطوة واحدة . فاحتملتُ أن يكون هو القِط القوي قد أحسّ بحدسه فقدان الفأر للبصر ، و أن لا مغنم واف ٍ يرجوه من جراء هذه المغامرة ، فلاذَ عنه مُبتعِداً . فقمتُ بإعادة الفأر إلى القفص و رجع يؤدي فعله السابق ، بأن يركض في الدولاب كارّاً إياه في حركة دائريّة متواصلة طيلة فترة الركض . ثاني محاولة كانت بعد أن عِفتُ الفأر و الدولاب معاً ، و انتهيتُ إلى استحالة أن أعثرَ عن الدافع الحقيقي الذي يُصعِدُ الفأر إلى الدولاب بل و الركض فيه كأنه مُجبَر و مُرغم على أداء ذلك . أي قوة ٍ تلك التي تطيش بالحياة فوق بحر ٍ من الموت ِ و القفار و العَدم ؟ ، قاهرة ً إياه منتزعة ً لقمة البقاء من بين شفتين يابستين جافتين ؟ . عجزتُ نعم عجزتُ ، و لم أفرغ إلا إلى دروب مسدودة لم تُفضِ إلا إلى المزيد من الحيرة ِ و العجب . و في لحظة ٍ فقدتُ فيها السيطرة على أعصابي و إمساكي بزمام المعقول و المنطقيّ ، في لحظة ٍ تكاثفتْ فيها سُحب القسوة على ربوة مشاعري و إحساسي . دفعتُ بيدي إلى داخل القفص جاذباً إياه و قد سحبتُه من ذيله و هو يكافحُ بصعوبة مريرة في الهواء و يضربُ برجليه و يديه فاقداً إتزانه ، ثم نحيّتُ غطاء الموقد الساخن و ألقيتُ به بحركة ٍ خاطفة في قلبه المتجمِّر .

ذبّلتُ بجفني هنيهات ، و قد ارتدّ نظري عن سطح طاولة و يداي متخذتان هيئة الوسادة بأن أركيتُ واحدتهما فوق الثانية . كنتُ قد استفقتُ لتوي و عاد إليّ الوعي بموجدات الحُجرة ، فتناهتْ إليّ قرقعة ٌ خافتة ، إذْ هو الفأر الأعمى نفسه يستمرُ بالركض في الدولاب .


8 \ 10 \ 2010

 

Friday, March 23, 2012

الرسمة

 

 


توقفتْ للحظة . كانت في طريقها إلى الأهل الذين تحلّقوا حول الزيتون ، عندما لاحَ لها وجهه المدوّر الصغير مخذولاً تَعِساً ، يضربُ في البستان على غير هدى ، بشعره ِ الأسود الخشن و عينيه الخرزيّتين الضيقتيّن . و لما همّتْ أن تناديه ، ألفته يقتربُ بخطى بطيئة من صخرة ٍ كبيرة كانت إلى نحو ٍ قريب ، و يخرِجُ دفتراً من حقيبته المدرسيّة ، فجلسَ و أخذَ يقلّبُ صفحاته ساهماً تشي نظراته بالملل و الضيّق ، حانياً رأسه موسِّداً إياه قبضته المضمومة ، مؤرجِحاً ساقيه الذي احتواهما السروال المدرسيّ القصير ، بحذائين مُغبريّن تلطّخا بطين البستان .



كان موسمُ قِطاف الزيتون قد حان و انتشرَ لإقباله أهلُ البلد ، يفرطونَ الحبّات السوداء و الخضراء على أكياس من النايلون أو شراشف و بُسط خفيفة يفرشونها تحت الزيتونة ، مشتبكينَ مع أغصانها الحانيّة في شد ٍ و جذب ٍ متواصلين .



لم ينتبه إلى وجودها إلا عندما حاذته و صارتْ فوق رأسه .



بادرته مُشفِقة :



- سعد . ما بك ؟ أراكَ حزيناً ، و هذا مما لا يليقُ بتلميذ ٍ في الإبتدائيّة .



- لا شيء يا أختاه ..



و فرشَ كفيّه الصغيرين فوق ركبتيه ، ثم أردفَ :



- أين أبي ؟ أين أمي ؟ .



- هناك .. في الجهة الثانيّة من البستان . لماذا ؟ هل تشعر بالجوع ؟ .



- لا . أنا فقط عطشان . 



و نزلَ عن الصخرة مُبتعداً ، ماضياً تحت الشمس بين الأشجار .



ارتدَّ نظرها نحو أشيائه ، بما فيها الدفتر المفتوح . أمسكتْ به و انزلقتْ بين كفيّها الصفحات مُمررة ً عليها النظر بسرعة . نحلة ٌ تقفُ على بتلات زهرة ، شمسٌ في يوم غائم ، و عصفور على شجرة . كان يتفق لخياله الطفوليّ الجميل أن ينبعثَ على الورق ، فيحلو له أن يُفرِغَ علبة ألوانه على السجّادة ، مُتربّعاً ، مسترسلاً في الرسم و التلوين . لكنها ما لبثتْ أن وقعتْ على رسمته الأخيرة ، " شجرة ُ الزيتون ." 



كانت الرسمة مكتملة و تشبهُ إلى حد ٍ بعيد أشجار البستان ، غير أنها ناقصة الألوان . فالأرض بلون ٍ بني ٍ كامد في أسفل الصفحة . و السماء الزرقاء و السحاب الأبيضٌ الخفيف في أعلى الصفحة مع شمس ٍ صفراء مُشعة . أجنحة ُ عصافير ٍ سوداء بعيدة تلوحُ في الأفق ، ثم الأوراقُ بلا لون ، تساءلتْ .. لماذا ؟ 



دسّتْ كفها في الحقيبة و بدأتْ تبحثُ عن اللون الأخضر بين الألوان فلم تعثر عليه ، و آثرت أن تعرفَ سبب ذلك من سعد ..

 





--------------------------------------------------------------------------------




لم يطرأ في بالها قط مما كان قد حصل للجمع أثناء غيابها .



رويَّ لها أن حفنة من المستوطنين اليهود كانوا قد استباحوا البستان خلسة ً ، فرفعوا السلاح على الناس متوعديّن إياهم مهددين ، و ما لبِثَ أن انضم إليهم بضعة جنود صدوّا الرجال و أبعدوهم . بينما راحَ المستوطنون بالتخريب و العبث ، فقصوّا الأغصان بمناشيرهم الكهربائيّة ، دالقينَ محتويات الأكياس على الأرض . حتى أن أحدهم شوّهِدَ و هو يهمُّ بإشعال النار . لكن الأستاذ صبحي ، الذي لا يدري أحدٌ أين كان بالضبط حينئذ ٍ ، تفلّتَ من الطوق الذي ضربه الجندُ على الرِجال و أسرعَ مطوّحاً بقبضته نحو المستوطن المعتدي ، و الذي همّ بالفرار ..




كان سعد قد ركض كثيراً وراء الجيب العسكري و هو ينادي أبيه المركون في صندوقها الخلفيّ المشبّك مع إخوانه من أهل البلد .



و عندما شاهدتْهُ يذرعُ شرفة البيت مساءً ، لم تشأ أن تسأله : لماذا لم يُكمل تلويّن الشجرة ؟ .





--------------------------------------------------------------------------------




شاعَت في المدرسة ، في اليوم التالي ، حكاية الأستاذ صبحي و هو ينقضُّ على المستوطن و ينزعُ منه ( غالون ) الكاز الذي كان ينويّ أن يصبّه للإشعال ..



و وصلَ الطلبة إلى نتيجة أكيدة ، مفادها أن حصة الفنون لهذا اليوم ستكون بدون الأستاذ صبحي ، و قد يُتاح لهم أن يعودوا مبكريّنَ إلى بيوتهم . بما أن حصة الفنون هي الأخيرة في الجدول الدراسيّ .



حتى أن الأستاذ عصمتْ ، أستاذ اللغة العربيّة ، أكّدَ لهم أن الأستاذ صبحي لم يأت ِ إلى المدرسة هذا اليوم ..



و حينَ همّ التلاميذ بزمّ حقائبهم و الخروج . انشقّ الباب عن وجه الأستاذ صبحي ، كأن شيئاً لم يحدث في البارحة . تقدّم من طاولته بهدوء ، ثم قلّب ناظريه في التلاميذ المشدوهين ، و قال :



- لقد طلبتُ منكم في الدرس الفائت واجباً ، أن يرسُمَ كل واحد ٍ منكم شيئاً عن موسم القِطاف . و لذلك ، ضعوا دفاتركم مفتوحة ً فوق الطاولات .



و لم يجب أحد .






إلا أن خناقة نشبتْ فجأة ً ، ارتفع لها صياحُ إبراهيم و سليم ، و جذب واحدهم الآخر من ياقته . انتهتْ بأن سالَ الدمُ من كليهما . و لزم الأستاذ صبحي إزاءها الصمتْ ، و اكتفى بأن حدّق قي الوجوه من وراء طاولته .



انفضّ التلاميذ ، الذين هبوّا لفضّ الخناقة ، و انصرفوا عائدين إلى أدراجِهم مُخرجين دفاترهم ، مُنتظرين الأستاذ صبحي ، الذي سمح بدوره للمتشاجريْن بالخروج للإغتسال من الدم المسفوح . و صادفَ حينذاك أن يكون بين كفيّه دفترُ سعد فلاحظَ تلك الشجرة غير ملوّنة الأوراق بتاتاً .



و اضطربَ سعد و رفع عينيه بقلق إلى الأستاذ صبحي ، قبل أن يسمعه يتوجهُ للتلميذيْن نفسهما بالكلام :



- تعالا ، و ليمسح كلاكما دمه هنا .. على الرسمة .

Wednesday, March 21, 2012

العنكبوت

spider_legs_sketch_by_dovespirit

 

 

من تحت الناموسيّة يبانُ ضخماً بذراعين مشعرتين مصلوبتين يضمهما إلى صدره و هو راقدٌ فوق السرير . إماراتُ وجهه الغضبى و تشويح كفه المستمر في ذبّ الحشرات المحومّة حول أنفه

رن المنبّه قبل لحظات ، فانثنى جذعه إلى الحافة و انزلقتْ قدماه في الخُفّ و التثاؤب لا يترك فرصة لفمه بأن ينغلق . ارتدى بنطاله و قميصه ، ثم مشّط شعره أمام المرآة و قد أسقط من حسابه

تناول طعام الفطور على أن يفتتح يومه في المكتب بفنجان من القهوة يناوله إياه العم أبو أحمد بساعده النافرة الخضراء . و لما طرفت عينه ساعة الحائط ، كانت السابعة و الربع صباحاً ، فنقل

خطوته الأخيرة من خلف الباب و اختفى خلفه تماماً ..

هو في ربيعه الثلاثين ، موظف في دائرة حكوميّة ، عادة ً ما يلصق بين عنقه و ياقة قميصه منديلاً ورقياً ، شعوراً منه بقدسيّة النظافة ، فلا يُشم له رائحة عرق و أظافر أصابعه كأنها لا تنمو ،

حليق الذقن لامع الشفاه حيث جذور شارب ، بجزمته السوداء تشاهده يطقطق في الدهليز ، قبل أن تسمع صوته حذاء عارض الباب الخارجي للمكتب و هو ينادي مسؤول البوفيه العجوز ، ثم

يلوح وجهه كأنه من بين سحاب برونزيّ البشرة كبير الرأس ، يعملُ بجد لا خلاف عليه ، يظلّ وراء المكتب حاني الرأس على الأوراق ، و لكن هذا كله لن يكون أبداً قبل الساعة التاسعة . أي

بعد أن يتناول الرغيفين من يدي أبو أحمد و هو يغمز له باتجاه المراجعين ، ثم يغمس طرفي أصبعيه المعقوفين في صحن الزيت ، و أبو أحمد يدفع بالمراجعين متناولاً معهم الشدّ و الجذب ،

فيلعلع اللغط و تعلو الأفّ عالياً من الصدور ، لكنه يعزمُ علينا مشاركته بالرغيف المخموش و صوته في ناحية أبو أحمد على مسمع ٍ من المراجعين :

- الذي لا يعجبه ، هناك المدير .. على أيديك اليمين يسار يسار !

و المدير يعرف و نحن نعرف ، و المؤسسة بأكملها تعرف أنه يرتشي . المعاملة لا تخرج من درجه الأيمن قبل أن يكون " الكادوه " في درجه الأيسر .

نخرج نحو الواحدة بعد الظهر و هو لا يزال جالساً يردّ على المكالمات ، بصوت ٍ هامس أحياناً و عال ٍ أحياناً أخرى . علاقته بنا رسميّة في حدود المكتب ، تكتسي جبهته بالجَد و الوقار ، أما خارجه

فتشاهده مُلقى ً على بطنه من الضحك و هو ينقرُ كتف محدثه ،و لا تني خيوط المكر و الثعلبة تخيطُ نفسها حول عينيه و فمه . إنه إنسان لكنه مرتش ٍ و الجميع يعرف ذلك حتى المدير نفسه ، و

الذي يطلّ في نهاية الأسبوع ليشتكي لنا ، محاولاً تخفيف دمّه ، عن عدم جدوى استجداء الوزارة في موضوع بنزيّن سيارة المدام .

تلاشى صوت الباب . الحُجرة مضاءة بعمود إنارة فلوريني ، و على الحائط نافذة نصف مُشرعة . الطابق الأول تقودك إليه سلالم واطئة . الساعة الآن السابعة و النصف صباحاً . بزغ خيط أسود

من فتحة في أقصى الجدار ، نقطة في البدء ، أطل من فتحتها الصغيرة غير المرئيّة بشكل غير متوقع ، و تنسّل بحجم لا يُصدّق . عنكبوتٌ أسود . مرتخي الأطراف ، جعل يتلمّس الأفق الحجري ،

بثقل ٍ حتى ارتكزَ فوق النافذة مباشرة ً أشبه بخيمة قزمة .

لم يكن هكذا ، أؤكّد لكم صحة ذلك ، لقد تغيّر و إنني لأستطيع التحدث عنه بالمزيد . الشاب الطموح لا زال فيه ، انتقل منذ سنتين و كنا نلتقي به لماماً في مكتب صديق ٍ لنا . أشكّ أحياناً أن منصبه

السابق لم يتح له فرصة مدّتْ اليد . ذات مرة أعترض عليه زميلنا أخذه للرشوة ، فردّ :

- ليس لأحدكم الحق بمخاطبتي بهذه الطريقة ، لستُ في دائرة حسابكم و مساءلتكم . و أنصحك أنت بالذات أن ترمي أنفك هذا الكبير في الورق أمامك !

من المعلومات القليلة المتوفرة لدي ، هو ليس بالمتزوج يسكن في حجرة في الطابق الأرضي كمستأجر لدى سيدة مقدّرة كبيرة في السن لطيفة للغاية . مرة ً شربنا عندها الشاي و نحن ننتظر

بالمستأجر المريض ، و الذي دهشنا أنه كان في الخارج . قالت لنا السيدة أنه انتقل مؤخراً من الطابق الثاني إلى الأول و لم يُبد ِ أي سبب يُعزى إليه قراره .

دُفِعَ الباب و نهض من جديد في الحجرة . خلع قميصه و بنطاله و بقي في ملابسه الداخليّة ، و لم يجد نفسه إلا على السرير . شدّ إليه اللحاف الصيفي الخفيف و ضغط زرّ المروحة ، و عاود

إغلاق و فتح عينيه . ظهرت له الومضات كالتالي : أولاً - باب الغرفة المشقوق قليلاً ، ثانياً - العقرب على الثالثة ، ثالثاً - الحائط الأبيض ، رابعاً - طرف الستارة المُستطار و الذي يبعث في

النفس مزيداً من الخدر ... ثم اللطخة . أسندَ نفسه على كوعيه و نهض . بحلق بعينيه على وسعهما ، حار في هوية الشيء ، أعتقده لوهلة أفعى دخلت من الخارج أو خرقة سوداء معلّقة ، أو

لربما آلة تسجيّل صوتيّة . تحرك حوله و حدسه ما هو ، قال في نفسه أنه لا يؤذي ، فابتسم ..

و سُرعان ما اعتاد أحدهما الآخر ، و سُرّ الإنسان في نفسه قوة الحيوان الضعيف ، فلقد وفّر عليه طنين الذباب الليلي و لسع البعوض المؤذي . لكن مشكلة بسيطة ظلّت في طريق إندماجهما .

ماذا عن الخيوط ؟ تلك المنسدلة من السقف ، إن العنكبوت لا يمشي إلى الأمام إلا و الخيوط في عقبه . و فكّر :" ماذا يكون إذا تركه ينسج عالمه ، هل سيجد نفسه يوماً لا يستطيع ولوج الحجرة ؟

لا . سيبني جسره و الأيام تتكفل بوهنه . هل سيقع عليه ذات صباح و قد تضخّم جاثماً على صدره ؟ لا .. يا إلهي ! إلى أين يقودك التفكير أحياناً ..

صار بذيئاً بعد ذلك ، حاول الإستبزاز و الأتاوة . ما أضعف ما آل إليه هذا المخلوق . في البدء ألتقط الذباب القادم عبر النافذة و قد أتاح له بعدّة ليال هانئة ، ثم أقعى في الزاوية يحدجُه بصفاقة .

قال لنفسه بعد أيام يجوع ، خاله متخماً . و لمّا يهم بإسداء خدماته مجدداً ، سيقتلعه بكفيّه و يُلقي به من النافذة ، و لكن .. ماذا لو عاد كرة ً ثانية ؟ .

دُفِع الباب ، و ظلّ لثوان ٍ يبلع ريقه على صوت الباب المصفوق ، و قد أصفرّ وجهه و احمّر خده و تسارع نفسه . كاد يشرعُ في البحث عن ورقة هامة ، تخص القريّة السياحيّة الحديثة ، و لثوان ٍ

أحسّ به خلفه ، كأنما راح عن باله ، ينظرُ إليه ساخراً و لعله أراد أن يلتفت و يسأله عن الورقة الضائعة ، لكنه لم يلتفت . شعر بقلبه يدقّ بقوة ، إنها فرصة العُمر .. سيترك عمله و يبدأ كرجل

أعمال ، ألم يمل رؤية الأوراق النقدية ذات الفئة الصغيرة ، ألم يحن الوقت ؟ كفى ! ماذا تبقى من العُمر ؟ . بحث بعينيه و يديه و قلبه و حدسه ، و لم يفرّ من العنكبوت ، إنه هناك في مكان ما خلفه

، مقرفصاً يضحك ضحكات ٍ مكتومة . جُن . مرت ساعة ساعتين ، و لا يزال منكبّاً على ركبتيّه و عينيه الزائغتين تفتشّان . أين وضعها ؟ هل ضاعت ؟ إنه لا يقع على أثرها . لطم وجهه و صدغيه

، و ماذا إذا وقعت في مكان ما ؟ الأنوف التي تقابله في المكتب مثلاً ؟ . بحث تحت السرير ، في الخزانة ، آنية الزهور ، رفوف المكتبة ، بين الثيّاب ، رفوف خزانة الأحذيّة .ألقى جميع الكتب و

الورق على الأرض . الملفات و الأضابير و المعاملات اختلطت و تكوّمتْ ، كأن الأوراق قشّاً تتهوى على ضربات الشاعوب . ليس من وقت زيادة ، و آلة الخيوط هذه ، التي على الجدار ..لا ترحم .

ببساطة . قرر أن يعدم العنكبوت . بحث عن خشبة غطّسها بالكايروسين و أشعلْ . أضاءت شعلة ً ملتهبة فوّارة الإوار و رمى نحو الخيوط الكثيفة المعشعشة على السقف . أكلتْ النيران طرفاً منها

و انفلتت . تدحرج العنكبوت لافة ً إياه بالشرار الحارق . أصابهُ فرحٌ شديد و لبث يرقص على مشهد العنكبوت المُحاصر . لكن النيّران امتدّت من السقف إلى كل شيء ، فخاف و ارتعدتْ أوصاله .

و كمحاولة منه للنجاة ، اندفع إلى الزجاجة المُلقاة على السرير ناسيّاً ما فيها ، فاصعدَ الرشيش إواراً أكبر و أمسكت النار بما حولها .

أيقنَ أنه على شفير الهلاك ، ركض و سقط . ارتدّ بصره إلى الجدار مجدداً ، فهاله منظر العنكبوت المتفسّخ . حدس في نفسه بسرعة شديدة ، ماذا لو ؟ و صرخ .. صرخة حيوان ٍ ذبيح .

و في نهوضه انتبه لرزمة الأوراق التي كان يبحثُ عنها ، إذْ اتضح أنها السبب في تعثّره ، أراد التماسك و لملمّة أفكاره المشتتة ، إلا أن النار نشبتْ في طرف منامته

 

Tuesday, March 20, 2012

العروس

 

Marc-Chagall-The-Bride-15351

بدا الشتاءُ مُبّكراً هذا العام . هطل المطر بغزارة و سقى الأرض المشاع ، خيوطاً ذات وقع ٍ رتيّب على صدر الصخر المتهدّل على السفح 
الجبليّ المُطلّ على السهول ، يبدأ صوته القادم من المجهول كإطلالة بث المذياع في افتتاح برامجه اليوميّة ، مشوشّاً مشوّهاً لا مُبال ٍ ثم 
ينبرُ الصوتُ الآلي " صباح الخير يا وطن ! " 
ترك الفلاحون منازلهم المصنوعة من الطيّن المشويّ ، سمعوا و هم يدرجون على الطريق الموحل صوت المزاريب تئّن ، ألتفت شيخٌ عجوز
إلى السماء ، و نتأت من بين شفتيّه المتحطبتيّن كلمة " يا رب " . كانوا جموعاً يحملون المعاول و الفؤوس و أكياساً من الخيّش . و للحقيقة
بَدت أذرعهم أقصر مما هي عليه و لون الجلد ممتقعاً أقرب للأرجواني و شفاهاً مقطوعة مزمومّة تنفكّ عن أسنان ٍ تصطّك من شدّة البرد . 
صاح أحدهم متألمّاً " آه من برد يقصّ المسمار ! " . سأل صبي أبيه : " كيف يقصّ البرد ، الذي لا نراه ، المسمار ؟! " 
لم يردّ الوالد بقي صامتاً كالآخرين .
الراوي الأول :
عجوز تجاوز السبعيّن عاماً على الأرجح ذو لحيّة كالقطن و رأس ٍ أصلع ، كثيرُ الإبتسام ، لكن أحداً لم يشأ إبتسامته قطّ للروائح العفنة 
التي تفوّح من فمه ذو الأسنان البنيّة و البصّاق الأصفر .
جلس طاويّاً ساقيه إلى الخلف و قال بصوت جهوري :
"
سقا الله على تلك الأيّام ، كنّا نحصد كذا موسم في السنة ، أما الآن .. " و أطلق تنهيدة عميّقة ، أحسّ الجالسون على إثرها أن الرجل يودّع 
الحياة ، لكن العجوز استدرك حديثه بأن العيب - كل العيب - يقع على الفلاحين الشباب .
توقف المطر فجأة ً ، و أعلن بعض الفلاحين أنهم سيجمعون الحطب لغليّ الشاي ..
كانت الحلقة لا تزال قائمة ، و قد اقتنعت الأكثريّة أنه الجو المناسب للثرثرة ، أعياهم التعب و صوت زلمة الآغا يُرجَعُ قريباً بعيداً 
فوق جواده ناهراً إياهم و مهدداً بخربان بيوتهم فيما لو ضاع موسم السنة ..
سأل الصبيّ : لماذا سُميّت قريتنا بالعروس ؟
وجمَتْ الوجوه و انتقلت العدسّات إلى الجسد المتصلّب ، تململَ العجوز في جلسته ثم انتفضَ واقفاً على حيله مادّاً كفّه المعرورقة إلى 
جيب معطفه الداخليّ ، و لم يُسمع بعد ذلك إلا طقطقة القدّاحة و ومضة صغيرة بدأت بالبهوت شيئاً فشيئاً ، عندما عقدتْ السماء وشاحها
الأسود على قبّتها .
الراوي الثاني :

شاب في منتصف العقد الثالث من عمره ، قيل أنه سُجن أكثر من مرة لسلوكه المُشيّن ، لكن أحداً من أهل القرية لم يجد منه سوى 
كلاماً عن مغامراته و نزواته في المواخير و الموانىء ، إذ رحل إليها و هو مراهق ، كان بارعاً في رصد التنبؤات ، و لقد قال 
أيضاً أنها " لغة السماء و هو يفهمها لأنه ركب البحر " ، و عندما أراد البعض السؤال عن وجه الشبه بين البحر و القرية ، كان 
يفتح قصة جديدة عن فتاة عابرة هنا أو هناك ..
أمسكَ بأذن كأس الشاي الساخنة و قرّبها من فمه ثم سأل فجأة ً : هل تريدون معرفة السبب الحقيقي ؟ .
همهمات في جانب و صمت و ترقّب في الجانب الآخر ..
"
لقد كانت أيضاً نزوة من نزواتي ! ، فتاة من الغجر تاهت عن أهلها و لم أتمالك أعصابي .. كانت جميلة جداً مثل فلقة القمر ، فأنتم تعلمون 
أنني عملتُ في السهول حارساً ليليّاً لدى الآغا .. "
قام البعض قبل أن يُنهي الأخير كلامه ، أما البعض الآخر فقد بقيت عيناه تلمع و هو يلحّ على إتمام القصة بشغف ٍ و مجون ..
الراوي الثالث : 
بهلول القريّة و بركتها ، كان قد ظهر من بعيد بقبعّته الصوفيّة و سرواله المُزركش ، أشاروا إليه بأن يدنو ، و كان مُزاحاً تماماً سؤالهم عن
سبب التسميّة ، و على الفور أجابهم حتى لم يتح لهم فرصة الإنتظار ..
"
آ آ آ .. " ، و قد فُهِمَ فيما بعد و هو يبصق عليهم أثناء الحديث ، أنه منذ سنوات حمل الألعاب و الدُمى إلى أطفال القرية الفقراء كي يسعدوا
بالعيد ، و ذات مرة اكتشف أنه أضاع دُميّة من نوع " عروس " أثناء تجواله ، و لم يتسنّى له معرفة ذلك إلا و هو مستسلم تماماً لدمعة طفرت 
من عينيّ الفتاة الصغيرة الخرساء ، دمعة اعتصر لها قلبه و لكنه لم يستطع الإيفاء بوعده إلا السنة التالية و لمّا عاد كانت القريّة بإسمها الحالي 
"
العروس " .
أشرأبَ رأس العجوز من فوق الأكتف ، و لم ينتبه إليه أحد للوهلة الأولى ، فقال موجّهاً كلامه للبهلول : " أخرس ! .. الجميع يعرف أن اسم
القرية كان العروس قبل أن يأتي أمثالك إليها ، و لمّا بدا في العيون إلحاحاً صارماً كي يبوح العجوز بما لديه ، تغيّرت ملامحه للبؤس و قال :
"
كانت حفيدتي الرضيعة ! ، لم أكن أعيش هنا ، و قد أتى زوج ابنتي - المغضوب - إلى القرية قبلي منذ سنوات ٍ بعيدة ، و أذكرُ أيضاً 
المجاعة ، نَشفت الأثداء كما الأرض البور ، و لم يكن هنالك بُدّاً إلا التخلي عن ... "

الراوي الرابع :

وصل الخبر إلى ساراي الآغا ، و لا يدري أحدٌ كيف وصل الخبر إلى الأروقة الداخلية للقصر . فبينما يهمّ الفلاحون - في أحد الأيام التالية - 
الإنصراف بعد غروب الشمس المُضببة ، نزل رجل سميّن حول عينيّه تجاعيد حلقيّة ، لم يكن كبيراً في السِن تماماً ، لكن كثيراً من الهُتاف و
التصفيق و الأكفّ المرفوعة للسماء أهيّلت عليه ، تراقص شاربيه و أخذ نفساً عميقاً ثم خاطب الفلاحيّن و هو متكىء على فخذ سيّارته الأيسر :
من سأل عن العروس ؟ ، أقصد سبب تسمية قريتنا المجيدة بهذا الإسم ؟ .. أودّ أن أطمنئكم أنه لا داعي لنشوب خلافات أو مشاجرات بعد اليوم
،أريدُ منكم فقط التركيّز في عملكم ، فالسبب بسيط جداً و هو أنني عند صَرفتْ لي الحكومة المركزيّة الإقطاع ، و كنتُ لا أزال شاباً و ضرب بيده
على فخذ السيارة بدلال قائلاً بنشوة : " لم تكن هكذا على كل حال .. لقد كانت يومئذ ٍ عروساً بِكراً " .
جاءت أخبار الحرب مُرعدة مؤلمة ، و سار في القرية كما القُرى الأخرى تيّار رعشة ٍ قَلِق ، فبدأت البيوت تُداهم ، و الدرك ينتشر في كل مكان . 
تكسّر سكون القرية على أعتاب البنادق و سالت الدماء و دموع النساء معاً .
رحل العجوز إلى دار الحقّ ، و لا يعرف أحد شيئاً بالضبط عن الشاب صاحب الملذّات ، قالوا أنه اختفى ، و قال آخرون أنه عاد إلى البحر 
لكن أصحاب الرأي الأول كذبّوا أخبار أصحاب الرأي الثاني .. فأي بحر ٍ و الحرب على الأبواب ؟
لكن أحداً لم يسأل عنه بعد ذلك . 
أما الآغا فقد سافر خارج البلاد بعدما باع كل ما لديه من أرض ٍ و أقنان بالمزاد العلنيّ .. 
لكن الأرض السهليّة الممتشقة بطن الوادي المُكتّف بالأشجار ، كانت لا تزال هناك .

رحل و حلّ الشتاء كثيراً ، و بعد سنوات انتهت الحرب ، و صار راسخاً في النفوس أن الخريف يمثّل كل الفصول دفعة ً واحدة ، حُلّ الإقطاع ، 
رحل الفلاحون إلى المدينة للإنضمام إلى النقابات العُمّالية أو السفر على ظهر السُفن .. لم يبقَ في القرية إلا الصبيّ و قلّة آخرين ، و كانوا 
هم أيضاً يبحثون عن العروس .. لكنهم في النهاية وجدوها و عرفوا من هي ، و حَرِصوا على أن لا يفارقوها وحيدة ً أبداً ! .