Thursday, October 3, 2013

أيتامٌ في الخارج

 

أيتامٌ في الخارج . 

 

 

sad girl orphan

يا ويلي ! ، حُزني غرغرَ في الحلق و انثالَ في الريق ، لما سمعتهم يرطنونَ بالعربيةِ و يستكينونَ إليِّ لأجلَ أن أنفحهَم ليرةٍ أو ليرتين .

- من أين جِئتم ؟ .

و أشاروا خلفهم و رأيتُ أصابعهم الصغيرة تحلّقُ نحو البعيد .. نحو بلادي .

- سكنا المخيم الحدودي لشهرين ثم ها أنتِ تشاهديننا مُشرّدين ضائعين ، نلقّط رزقنا بالحلال .

و تكرر في أذني صوتُ المأذون و هو يشدد على كلمة حلال بينما يزوّجني إلى عارف و يدُ أبي بيده .

رغم الدمار الذي حلّ ببلادي و نزوح اللاجئين ، إلا أن أبي أصرَّ على قيامنا برحلة شهر عَسل . أردتُ الإعتراض ، لوّحتُ بكفي أمامه ، لكنهُ نهَرني و قطّب بين حاجبيه و أخبرني بأن لا رجعة و أنهُ من الأفضل وضع كل شيء خلفي و السعي نحو صفحةٍ جديدة في الحياة .

- يا بنتي الأمرُ ليسَ في خيارنا ، إذْ كنا منعنا الحرب و جنّبنا بلادنا الخراب منذ زمن .

بعد أسبوع حملني عارف إلى أسطنبول . لم تكن المدينة غريبةٌ علي فقد درستُ فيها مرحلة إعداد رسالتي في الماجستير و أجيدُ نواحي اللغة المحلية فأقدِّمُ العون إلى عارف الذي يجهلها تماماً .

جُبنا شوارع المدينة و زرنا أهمَّ المحلات . أنفقنا مالاً يزيدُ عن كفايتنا ، و طعمنا من حلويات أسطنبول التي تذوبُ في الفمِ ، و تتحول إلى سكّر ، حتى الشبع . يُخيّلُ لي أن عارف تمنّى لو كانَ تركياً إذْ أظنهُ يفتح مصنع خياطة كبير مثل الذي يملكهُ في حلب ، و سيدرُّ كما يحسبها مبالغاً طائلة ترفعهُ إلى مستوى الباشوات .

- أنا و أنتَ نبتتان عربيتان و مكاننا وراء الحدود .

لم يبتسم ، و ظلّ صامتاً لهنيهة ، بينما ندورُ بين المقاعد المطلة على الشارع الرئيسي و التي تعودُ إلى مطعم مشويّات معروف .

دلّني إلى طاولة شاغرة موجودة عند عطفة الرصيف و هرولتُ خلفهُ بصورةٍ مُضحكة . قلّبتُ قائمة الأطعمة و المشروبات على عَجل ثم شرحتُ لعارف كيف يُعِد الأتراك نوعاً معيناً من السَمك ، يتبّلونه و يضعونه في الفرن حتى يحترق .

- سمك أبو شوارب . و أضفتُ بمكرٍ : مثل الذي يحصل .. فالشوارب رمزُ الشَرف و تحمّل المسؤولية .

- متى تفكيّنَ ألغازك ؟ ، ألا بطّلتِ عن أنصاف الكلمات . ماذا جرى لكِ ؟ .. كأنما تحدّثينَ نفسكِ و لا تريدينَ للآخرين أن يفهموا . شوارب و سمك و بطيخ ! و مالذي يحصلُ عندنا ؟ ، الذي حدث في الثورة الفرنسية يفوق ذلك بمراحل .

و تركتهُ يعيد ذات القصة و يقارننا بغيرنا .

- اسمع . استعدْ التاريخ مثلما يحلو لك ، أنا سأصعد إلى الفندق .

و إلى لحظة كدتُ أجذِبُ حقيبة اليد و أوسِّع بين رجلي لأقفز ممثلةً دورَ الحردانة الغاضبة . عندها اصطدمتُ بوجهِ طفلة بضفيرتين و تلبسُ بقدمها شبشب .

و دونَ كلام ، ارتفعتْ كفّها إلينا .

و خلفها بانت ضفيرةٌ أصغر حجماً ، كانت أختها حلوة التقاطيع تقفُ على استحياء .

هاتان الشحّاذتان حديثتا السِن جائتا للإنتقام مني تحديداً .

- يا ماما نحن من سوريا . أعطينا ليرة ، بجاه النبي محمد .

و انفردتْ الكفّان تنويان صفعي و ضربي بألفِ قلمٍ حامٍ .

صرخَ عارف بهما و أمسكَ بصحنِ السجائر بحركةٍ تمثيلية طاردة .

خافتا و راحتا تركضان آخذتين بساعديهما وراء بعض عبر الشارع إلى الرصيف المقابل .

و أثناء تناولنا للعشاء ، و أيضاً لمّا نفخَ عارف نفَسيِّ ناركيلة و تمطّى في كرسيهِ مُزغلِل العينين ، استمررتُ بالتحديق في جهة الرصيف الآخر حيثُ الطفلتان تعتمدان بظهريهما إلى حائط شاحب بمبنى قديم ، خُطّ عليهِ في قارمة عبارة : " مرحباً بالسيّاح الكِرام ، أنتم في بلدكم الثاني تركيا " ، و حول العبارة أخذتْ المصابيح المُحيطة تشتعلُ فينةً و تتلاشى في الفينةِ التالية . 

- أينَ تسرحين ؟ ما بالُ الأكل .. سمك أبو شوارب هذا ، لا تفوتينه . هيّا اقضمي هذه القطعة .

و غرزَ الشوكة في لحمِ السمكة الأبيض و قرّبهُ من فمي لكني نحيّتها جانباً برفق ، لأن لا ذنبَ لهُ و هو يحتفي بزوجتهِ و في عقلهِ أن أسمنَ و أصيرَ مكتنزة مُرضية لرغبتهِ .

- لماذا تبدينَ حزينة ؟ غريب ، وجهكِ يعلوهُ اصفرار . أمريضةٌ أنتِ يا حياتي . قولي ، لا تضنيّ علي بالجواب .. أرجوكِ .

- كيف أخبرتهما أننا لسنا بعرب قائلاً ذلك بالعربية ؟

- أخبرتُ مَنْ ؟ .. آه خاطركِ مكسورٌ عليهما ! .. لا عليكِ هدّأي من روعك .

إنها المصادفة اللعينة .. و الحرب بالتأكيد .

و أرسلتُ طَرفي أشاهدهما تُفسِحان الطريق للمّارة و تضيعان في الزِحام مُشهِرتان ذراعهما مراوحتان الخُطى تستجديان .

- ماذا بوسعهِما أن يصنعا بليرتين يا عارف ؟ إنهُ مبلغٌ زهيد .

- ربما كانتا سارقتين ، انسِ موضوعهما . قرأتُ في الجريدة التي حصلتُ عليها من الفندق هذا الصباح عن شبكات سَرقة مُنظّمة تستخدمُ اللاجئين .

- ماذا تشربين ؟ ، مم .. يوجد حليب بالقِشدة و شوكولاتة باردة .. أما القهوة التركية فسأشربها من صنعِ أهلها ساخنة .

و لم أنبسْ ببنتِ شفّة ، بل التزمتُ الصَمتْ ، أسترقُ النظرَ إلى الفتاتين بحيرةٍ بالغة .

دسَّ أصبعهُ داخل القائمة و جَعلَ يُتمتِم على غير فَهم ، و فجأةً أعجبهُ شيءٌ ما .

- هذه ، نعم ، قهموة إسماعيل . ياه ! ، ما أفخمهُ من اسم ، قهوة إ سـ مـ ا عـ يـ ل ..

، السلطان إسماعيل ، أي واحد منهم ؟ أقصد ما ترتيبه ؟ .

- لا أعرفه ، و قد لا يكون سلطاناً أصلاً .

- كيف ؟ بلا كلام فارغ .. يا ميترْ ، جرسون .. تعال ، احضرْ .

و تلمّظَ ببخار الفنجان و لعقَ بلسانهِ أنحاء شفتيهِ العريضين ، ثم كوّر بقبضتهِ ورقة نقودٍ تُركية و أغلقَ عليهما محفظة الحِساب الجلديّة و نهض .

لبعض الوقت نسيتُ أمرَ الفتاتين . و حينما فَرغنا من السهر تذكرتهما ، لقد اختفتا من الرصيف المجاور دون حسٍ أو خَبر .

مشيتُ أتقدّمُ عارف و رأسي مطروحٌ على صَدره ، ملتفّاً حولهُ مثل نبتةٍ اعتدنا زراعتها في بيتنا في دمشق اسمُها المدّادة . ثم وصلنا غرفتنا ، و هناك ، أوسدني عارف ذراعهُ حتى مطلع الصباح .

بعد أيام يلتقي عارف بأصدقاءٍ لهُ قُدامى تواعدَ و إيّاهم على اللقاء في أسطنبول ، و يصرُّ عارف على دعوتهم لإحتساء القهوة في ذات المطعم .

دخلَ الغرفة و إماراتُ وجهه تشي بالإنزعاج . جلستُ أقلِّب صفحات مجلة أجنبية تهتمُ بالأزياء التقليدية التركية .

بادرتهُ :

- ما بك ؟ .

- القهوة .. قهوة إسماعيل أفندي ، جئتُ لأكذب و لم تضبط معي ..

- لم أفهم . قلْ ماذا حدث ؟ .

- سِقتُ الحديث على هوايّ ، أعتقدتُ أنه تركي بالفعل ، و إذْ يظهر أنه عربي و من اليمن .

سَخِرَ مني أصدقائي و قالوا لي نعرفك من أيام المدرسة و لن تبطِّل هذه العادة .. الكذب .

- قهوة عدنية مثلاً ، ليس عيباً يا عارف أن تشربَ قهوةً عربية في وسطِ إسطنبول .

و هل ذهبوا ؟ .

 - نعم . و بالمناسبة وقعَ بصري على الشحاذتين ..

صاراتا يطلبان الليرات بالتُركي ، تصوريّ ! .

انتهت في 23 أيلول 2013 .

Friday, September 13, 2013

أول طريق

 

 

 

sketch-11

عبرتِ مخيّلتي . ذبّلتُ عيني كي أنسى

كي أذبَّ عن نظريّ غَباشاً كحومةِ الذُباب ..

كنتُ في جِلستي رجلاً مُرتاحاً أعمى .

خالَ السعادة بإيقادِ الشمعِ الذي ذابْ ،

فتراكمَ و تعاظمَ و تصاعدَ المبنى .

رفعتُ صفحة وجهي من صفحةِ الكتابْ

تذكرتُ تقاطيعكِ الضائعةَ هُنيهةً ،

كتقاسيمِ أغنيةٍ كدمِ النازفِ المُصاب .

تطابقتْ رموشي الخَدِرة الوسنى ،

عِشتُ غيبوبةً أُريدها و اخترتُ الغيابْ .

لن أدعوكِ منذ الآن حبيبتي الأنقى ،

فلا أخفيكِ تلوّثتُ و أضعتُ الصوابْ .

تشبّعتُ بالأحاسيسِ و ما أسرعَ ما تفنى .

لو أن دمعةً مُضيئة انثالتْ في لحظةِ انتِحابْ !

لذرفتُها على نفسي العائشة في منفى ..

و غَابْ .

 

أنثرُ في الذِكرى ما ضاعَ من سنين

و ما أذاقني من صورِ العذاب تفَانين .

هو الشوقُ يدفعُني و يسلبني تردد الخائفين ،

ألا لو كنتُ أقربَ إليكِ ، إذن لعرفتِ تتصورين

كيفَ يشحذُ أنفاسهُ ذاكِرُ الحبِّ على حدِّ سكين ،

و كيفَ يكتمُ أنفاسهُ ، عبثاً ، جَسدٌ عاشَ بين الجثامين .

فالجسدُ قبرُ المُتحدِّثِ لا يخطؤهُ نظرُ عين ..

و أولُ الحدود ، تتحرشُ بإرتحلاتهِ طفولةُ الحالمين .

و صفعةٌ تؤلِمُ و تورثً لوناً أحمراً كاليقطين ..

فلا تسألي عن سرٍ فيهِ أنتِ تشهدين و تحكُمين ،

إذْ الدمُ ربما قرصةٌ أو نسمةٌ جرحتْ تفاحةً في الخديْن .

و انهارَ على إثرها طوفانُ حُسن ٍ و حساسين ..

هذا ما يتبقى من الحُبِ بعدَ أن تذهبين .

هذا ، بعدَ أن تكتسحي ميداناً فيهِ رجالٌ مُهانين .

ثم تدعيّنَ البساطةَ ، و يقفزُ فلقتا قمر ٍ فوقَ العينين ،

و يحلِّقان في صباحٍ خُلَّبٍ و رمشين مُطهميّنْ .

يخذلني عدمُ فهمٍ و استهجانٌ ضدّكِ يا مَنْ تكذبين ،

يا رسمةَ الملاك ، و أنتِ للربِ تَسجدين ..

بصوفيّةِ الفنّان و خلالَ أصابعهِ تكبُرين .

تخطيِّنَ المسافةَ بين مكانيْن ، و هناكَ تصبحينَ

سيدةً للوقتِ و عرّافةً ، أختاً للمجانين ..

 

غائراً في رِحاب الفضاء قمرٌ اكتملْ

يجاري الشموس فيصنعُ دورةَ الأجلْ .

يستنيرُ وجههُ بضياءٍ يُشبهُ ألَقهُ الغَزل ،

عبرَ جلاءٍ فسيحٍ تتوهُ فيهِ المُقَلْ .

و أسيرُ أشدُّ بيدي حَبلَ الحَمل ،

و كلبٌ يعوي ورائي ، خَبرَ المَنزِلَ و المُرتحل .

و غابةٌ في البعيدِ سامقةٌ أصابها الشَلل ،

تلوحُ كليلٍ في ليلٍ مُتربَصةً بالخوفِ و الوجَلْ ،

صريرُ زيزانِها و غيلانها و جُعلانها يَصِلْ ،

روحٌ بريحٍ تُقلِّبُ الكائنَ المُنتحَلْ ..

 

للقمةِ الخُبزِ هِمتُ في براري الإنصياعْ

حَبّاً من ذَرورِ الأرض أجمعها صاعاً فصاعْ ،

بحجمِ عُقلة الإصبع و مُقلةِ العينِ و في نفسي مَشاعْ .

و لولا وعداً منذُ أعوامٍ خَلتْ ، لقلتُ مُضاعْ

أن يصرخَ الراعي في وادي الرِعاعْ ..

أيُ خذلانٍ يهزُّ شمسي

عند إطباقِ رمشي حينَ يلتقي الشُعاعْ .

و قبلَ أن أرسمَ موجةً على شطِّ رِمال ،

كادَ أن يكتملَ شكلُ القِلاعْ ..

فضيّةً تلمعُ توزِّعُ في الجِهات الشمائلْ .

و على استقامةِ الطريقِ تتحاذى منازلْ ..

ثم يفرقُ الشارعُ الأسودُ مثلَ الجدائِل .

و ينطلقُ صمتُكَ حافٍ يحملُ وجهكَ بلا قِناع ..

فلتسقطْ عنكَ السلاسلْ ،

و اكتئابُ الحقلِ اليافع .

 

 

هلا افتكرتِ وقفةً بيننا على عطفةِ الدَرجْ ،

لامستْ فيها يدي يدُكِ و تخادشتْ أصابع ..

عند بِركة صمتي و ذاكرتي الآن لا تؤلمني ،

أحجارٌ في القاعِ اجتمعتْ من الأماني ،

سجّلتُ فوقها أبجديتي الأولى و طقوسَ حُبكِ و الأغاني .

اختلفتْ أفوافُ زهرِ اللوز و المعاني ،

فالغصنُ في صدرِ الشجرةِ رمحٌ مُخادِعْ ،

و بِركةُ الأسرارِ مَرتعٌ للضفادع ..

 

الرُعاةُ يركبونَ متونَ الجداولْ ،

داسوا وشوشات الماء بالصنادِل ،

حينما عبروا بقربي و قد أخبروني

أن في الحربِ القادمة ستُحال الضفادعْ ..

في أيديهم قنابلْ .

إذاً اصعدْ يا قمرُ سلّةَ السماء رغيفاً يوجُّ ،

اخترتُكَ أنتَ قُرباناً و ساعي رسائِلْ ..

 

مطروداً من جنّتِها طَفِقتُ ألملِمُ عُرييّ ،

أجمعُ مُزقاً بخيطٍ من لحمي و شَعري .

أضمرُ لها حُبّاً و أنا أجري ..

بعيداً عنها أكتمُ في قلبي سِريّ ،

عاضّاً على شفتي بما نلتهُ من نَشوةِ الظَفرِ ،

ثَمِلاً بدموعي ، تَحفِرُ خدودي كالنَهرِ .

حقاً الوقتُ في ساعتي منذُ سنتينِ لم يَسِرْ ،

أَسِفتُ للحظةٍ قالوا فيها تَزوَجتْ و ألهجوا بالخَبر ،

سرّوا لأجلكِ إلا أنا ، فقد شَرعتُ بعدها في هِجرةِ الصَبر .

كم صارَ الآنَ عُمري ، هل كَبِرتُ و جاوزتُ مرحلةَ الصِغرِ ،

أم أبقى مرهوناً للأبدِ بينَ خُذلاني و كَسري ؟ .

 

و أجدُني أنسى جفوناً مَعقودةً بالسحرِ ،

رموشاً تهتزُّ كالوترِ ،

فراشاً يَبرِقُ على الخَصرِ .

فلا كانَ يُخامِرني ،

مَشيُّكِ مع هزيجِ الناسِ مرشوشةً بالعِطرِ ،

دوسيّ على ورقِ الوَردِ و ضُوءِ القَمرِ .

و لكِ أن تَسخري ..

فالمسافةُ بين المُدرِّسِ و المُهندسْ ،

هي ذاتُها بين الكوخِ و القَصرِ .

و لكِ أن تَعظي ..

فأنا شيطانٌ أوسوِسْ .

 

أرتجي ما لا يُرتجى

أن أفتحَ قبضتي المضمومةَ

فلا يفنى النَدى ..

أن أستردَ دموعاً ذرفتُها

في ميعة الصِبا .

أن أخلو إليكِ في ساعة رضا

و أنالَ الحظوةَ و المَنزِلْ .

و قد كنتِ جميلةً كفايةً وقتها ،

عندما تأملّتُكِ في مرايا المَحلْ

و رأيتُ دمي في كأسِ العصير

كأنما زيِّدَ إليهِ ماءُ الحَللْ ..

و شَهِدتُ جَسدكِ النَحيل يرتخي ،

غَريباً عني ، و كانَ بصحبتكِ رَجُل .

وَضعتُ كفي على الطاولة لأتبينَ الخَللْ ،

كيفَ نَزلَ الحُبُ في قلبي ..

و كيفَ رَحلْ ؟

 

Monday, August 26, 2013

المِلح – نصّ في فصول

 

 

 

سيُقال فيما بعد أن شاهر كان على صوابْ حينما زعقَ في وجه أكبر رأس تصدّرتْ عملية شراء أراضي الضيع المهددة بالغارات و الهجماتْ . لكن أحداً ممنْ اُعتبِروا من وجهاء البَلد و كباريتها تكلم . ظلّ الصمتْ سيد الموقف ، حتى عندما جاملَ البعض و فضَّل آخرون سلك مسلك المداهنة و المُهادنة .. كان موقف شاهر الغضب الشديد ، و قد قذفَ كل رأس بحجر حسب ادعاء الذين نافحوا عن أبو سالم ، الرجل الذي جاء في النهاية ليقشّ كل شيء ، الأراضي و السواقي و البهائم . لأن من المرجّح أن يقوم اليهود بالمباغتة في أي لحظة و لن يكون باستطاعة الرجال الصمود أكثر من ليال ٍ معدودات . هذا ما كان تُنذر به طلّة أبو سالم على عتبات المجالس و في كل مضافة كان ينزل بها لشرب القهوة و نفخ النركيلة .

 

سوى أن شاهر اقسمَ برحمة أمواته أن ذلك لن يصير ما دام الرجال فوق أراضيهم و بين جُدران أحواشهم . سيهرّبون السلاح بمعرفة بعض الثوّار من الضيع المجاورة ، و متى استقرّتْ البنادق بين أيديهم و كان بوسع واحدهم أن يُطلق ، فإن الأحرى بالرجال ثمتئذ ٍ أن يموتوا كي تعيشَ الأمهات و الأطفال بين أراضيهم و بيّاراتهم . و شاهر الذي لا يُحب الكلام كثيراً و لا المتحذلقين ذوي البذلات و الأحذية اللمّاعة ، بقي يحرث الأرض برجليه الضخمتين المُشققتين الحافيتين ، مكشوف الصدر و الظهر للهيب شمس العصر ، لا يكل عن دفع سنّ المحراث في ثُلم الأرض و شقّ بطنها بالمنجل الحديدي العريض ، أكان ذلك يتم بواسطة ثور أو بزنديه شديدتيّ السُمرة غزيرتيّ الشَعر .

 

تفاجأ الرجال بشاهر ، إذْ أنهم لم يعهدوا منه هذا المزاج و العَنترة . اعتادوا أن يبتوّا الأمور معه بكل تصافي و مودة و على بساط أحمديّ . و في حادثة جاره أكرم النادر أكبر مثال و شاهد على سِعة صدره و زنة عقله . إلا أن شاهر هذا المرة بدا كمن يحمل السُّلم بالعرض مُصرّاً أن القرية ستقف على قدميها أمام لسعة الخيزرانة الغريبة الغاشمة المتحيّنة . إنهم لن يذهبوا أبعدَ من قريتين من هنا و بحوزتهم بُقج و صرر خفيفة ، يوم يومين ثلاثة .. شهر إن طال اللجوء ، ثم الكرّ ثانية ً إلى البيوت . و السماور الساخن ، سينالهُ البرد قليلاً إلى أن يعودوا بالسلامة .

 

-        طيب فهمنا .. أجلَّ الله مقداركم .. و أبو سالم الزفتْ ما شأنه ؟

 

-        لا تقلْ زفتْ ! ، الرجل ما أخطأ بحق أحد يا شاهر ..

 

ردّ إسماعيل شُكري مستلماً دفة الكلام من شاهر الذي دخل المجلس  و هو في غاية الإضطراب و التكهرب . بعدها قام أبو إسماعيل برفع كأس الشاي الفارغ و الموضوع على طبليّة الخشب ، ثم قال ، و هو يُمسك الكأس عارضاً إياها أمام الجميع بين أصبعيه ، مُقِّلباً عينيه في الرجال :

 

-        أتصدقون يا ناس أن أبو سالم كان يدفع حق كاسة الشاي الذي يشربها في المضافة قبل أن يجلس .

 

و تناهى من الناس صوت الإندهاش و الإكبار .

 

هكذا كان . سلّم أناسٌ كثيرون أراضيهم لأبو سالم على سبّة الإيجار أو الرهن أو الوديعة . و هذا الأخير جعل يفرش الأوراق و الإثباتات التي تحمل بصمات الرجال و الأختام في كل محل ٍ تطأهُ قدماه و كل جمع ٍ يشهدهُ أهل القرية .

 

حاول شاهر مِراراً أن يضبط شعوره بالكره اتجاه أبو سالم و الذي أضحى يُسمى بالشيخ بين الناس . أول الأمر استقبلهُ تحت ظلّ تينة و شرعا يتكلمان في قضايا متنوعة تخص القرية و أحوال الناس و أخبار البلاد . و في المرات التالية لم يلمس شاهر في كلام أبو سالم ، الرجل المحنّك ابن السوق ، غير التلميحات و الحديث عن و ساطات و حالات مماثلة لأصحاب أراضي امتنعوا عن المشاركة في عملية التجميع و التحصيل . التزمَ شاهر الصمت فأقبضَ على انفعالاته و اندفاعه . و قبالته جلسَ أبو سالم بحطّته و عقاله يلفّ دخان الهيشة بيده المعروقة التالفة . كان على الأرجح بين الخمسين و الستين سنة ، في وجهه شامة و في مشيته عرجة واضحة . لا يُعرف بالضبط من أين جاء ، و لكنهُ اُستقبِلْ هنا كرجل محترم أو لنقل مُستثمِر ذو أعمال . شاهدهُ شاهر و هو يدوّر عمود السيجارة بين أصبعيه ، يلعق ثم يتفلْ .

 

لا بدّ أنهُ تذكّر الليراتْ و الدنانير ، حدسَ شاهر برأسه الفلاّح غزير الشعر و جبينه النّاز بالعرق أن هذا الرجل العجوز انتهى إلى نتيجة و خلاصة في الحياة مفادها أن الأشياء تتشابه في يد الشيّال ما دام قبض أجرته و نبضَ في عرق ظهره الحيل .

 

-        ها ! قل لي يا ولد العم ، كلامي عجبك أو لا ؟

 

-        أي كلام يا أبو سالم ؟

 

-        كلامنا المرة الماضية . باين أنك نسيتْ ؟

 

-        تكلمنا كثير كلام المرة الماضية يا أبو سالم . يا ليت توضّح و تحط أصبعك على الجرح .

 

- ماشي ، رح أكون صريح و مكشوف معك يا شاهر .. الأرض همّ البلاد يا ولدي . أنت سامع اللي يصير . اليهود أولاد الحرام ما خلوّا حجر على حجر و الخوف كل الخوف من التردد و التشتت .

 

- و المعنى ؟ ما فهمتْ ..

 

- لا ، أنت فهمتني مضبوط .

 

رفع السيجارة عالياً و نفضها بخفّة و زاد :

 

- أنت تهمني يا شاهر . الإنسان الذي لا يسلّم بسهولة هو الأحق بالإعتبار و الحسبان ، و الواحد في النهاية يكشف عن نفسه و يبزّ رأسه من رأيه و مواقفه . أنا ما نزلتْ من السما يا ولدي ، أنا مثلك فلاح ابن فلاح .. و إذا فكرك أني ما تعبتْ في حياتي ، فهاكْ .. اطلّع ..

 

شلحَ عن قدمه عارضاً لهُ التسلّخاتْ و الشقوق على حوافها و كعبها .

 

- بلا مؤاخذة . أنتَ شبّ و دمك فاير و ينقصك القلب الخبير المجرّب . الأرض يا شاهر مثلها مثل أي شيء ثاني في هذه الدنيا ، لكن الإنسان في نفسه غريزة التملّك و نزعة للبقاء ..

 

يعني اضرب لك مثل : بتقدر تحزر كم عدد الأراضي التي بعتها و اشتريتها ؟

 

قاطعهُ شاهر و قد نفد صبره ..

 

- مش رايد أعرف يا أبو سالم .. و بالمناسبة فنجان قهوتك بردَ على الطاولة .

 

- مقبولة منك .. فكّر بالكلام الذي قلته لك يا شاهر .. الأرض تروح و تجيء . تذكر أنكَ نزلتْ من بطن أمك عاري حافيّ .. ربك الذي يرزق و يعوّض .

 

- يمكن يا أبو سالم ، قلبي غشيم مثل قشرة البصلة .. و بيني و بينك ، أنت قلبك شاخ و يبس و صار يحتاج إلى تزييتْ . كلامك كله لا يعوّض لي شعوري بالفرح أمام الأرض لما تُبذر و تُفلح و تثمر . وقتْ ما ينوّر اللوز أو يعقد التين و العنب .

لما ضوّ الشمس يقشّر حبّات التفاح المعلّقة على الشجر ، لما تشتهي في نفسك و أنتَ واقف بعيد عن صف الزرع أنّك تركع على رجليك و تبوّس رجليها مثل لو أن أمك قاعدة مكانها على الأرض و بين التراب ماسكة بيّدها حصى و بتسبّح ..

و قامَ شاهر من ركنه و تحرّكَ مبتعداً ، و بإيقاعٍ مسرحيّ توقّفَ في الفراغ ، تحدّهُ السماءُ من الأعلى و تحاذيهِ أكوامُ التراب . رفعَ ساعديهِ على استقامةٍ واحدة بالتوازي مع رقبتهِ فيما كانَ ظهرهُ مشدوداً مُنتصبَ القامة تغسلهُ أشعة الشمس .

و فجأةً انحنى و أمسكَ بحجر ، فعلَ ذلك بسرعة ٍ و دون توقّع . فأربكَ أبو سالم الذي ظنّ أن شاهر سيضربهُ كشيطانٍ يُساوم على جنّة فيُعاقَبْ بالرَجم . لكن شاهر قطعَ حبل التوتّر بأن أرخى الحجر من يدهِ و جعلهُ يسقط .

و عادَ صوتُ شاهر يتردد و هو ذاهلٌ عمّا حوله حتى أبو سالم نفسه ..

- من ثلاثين سنة كانت الأرض قطعة كاملة مسجّلة بقوشان عيد إبراهيم أبو خضرا . رجلٌ معمِّر ليس لهُ أولاد ، لكن عنده دونمات شويّ و شويَّات ، البهائم تسرحُ فيها و تضيع . و جاءَ اليوم الذي أكلَ فيهِ أبي لقمتهُ من الرغيف الكبير . أبي فلاّح يا أبو سالم ، دفنتهُ بأصابعي في مَطرح بعيد عن مقعدك خطوتين أو ثلاث .

التفتَ أبو سالم خلفهُ و ضايقهُ الشعورُ بأنهُ طيلةَ ذلك الوقت ، كانَ يدوسُ على طينة إنسانٍ ميّتْ . و لم يجد ما يدل على قبرٍ أو شاهدة . لقد بدأتْ السخرية بشخصهِ و قلّة القيمة .

- صَدُفَ أن مرَّ تاجرٌ من القرية . أُصيبَ التاجر بمرضٍ و ارتاحَ في القرية ثم ليُكمِل مسيرهُ ز كان يشكو من صدره ، يكحُّ بحشرجةٍ هائلة و رأسهُ تغليّ نار . بعدها أحسَّ بثقلٍ في رجليه و جعلَ يبكي و ينوح . و في الليالي التالية ، التي باتَ خلالها في القرية ، صارَ يطلبُ أمهُ في كل حين و ظهرتْ عليهِ ، حسب قول الناس علامات الخَرف . كان ينزل في خان إيجار ، اشتكى النزلاء من الوضع .. قالوا أن ذلك لا يجوز ، فذهبَ أبي الذي سمع القصة لا أدري من أين و أحضرَ الرجل و دلّكَ جسمهُ كُله بالزيت المغليّ . قلبهُ أول الأمر على ظهرهِ فوق الفَرشة ، ثم عصرَ معدتهُ و أحشائه بقبضتيْه . كل ذلك حدثَ أمام أعيننا أنا و إخوتي . راقبنا الرجل و هو يئِّن ثم و هو يتقيّأ . عيناهُ الحمراوان و الزَبد الذي في فيهِ لا تزالُ ماثلةً في الذاكرة .

و في اليوم الثالث من إقامتهِ في بيتنا شُفيَ التاجر . و نظير جميل أبي ، اشترى لهُ التاجر نصيباً من الأرض . دامَ الأمرُ دقائقاً معدودات حتى استلمَ الأرض و صارتْ مُلكه ، تَعِبَ و شقى و استنزفَ نَفسهُ لأجلِها ثلاثينَ عاماً بطولها . تلكَ الثلاثين سنة نَفسها التي قَدِمتَ تساومني عليها الآن .. 

 

 

Tuesday, July 23, 2013

ربّة العهود

 

 

كم مرةً خُلقتِ فيّ يا ربّةَ العهود

و طبولاً أُعيدَ دقّها ..

و ناراً و وقود .

سريِّ يرحلُ معكِ

و إن جئتِ لا يعود ،

حفظتهُ في قرارتي تعويذةً

تلوتهُ عليكِ بلا شهود .

و على الطاولةِ خَزفٌ و ورود

و رأسكِ على كتفي مَسنود .

يا ربّة العهود ..

كيف لقلبٍ أحبّكِ

أن يأكلهُ الدود ؟

أشتاقُ لشكلِ العينين

و انفراجٍ في الشفتين مقصود ..

يتناهى لي صوتكِ من مكانِ الخلود .

من نقطة التكوين ،

تسطعُ بروقٌ و رعود ..

 

يا ليتَ لي أن أكسرَ خلوتكِ

و أطأ باب غرفتكِ .

و أصيرُ أشبهُ لعبتكِ

أسرِّح داخلَ الخزانةِ فساتين .

على الطاولةِ بروازٌ لصورتكِ ..

" تبتسمين "

 

أُقيمُ في كمين ؟

أم مُعتَزلٍ للمعبود ..

يومَ التقينا هناكَ عندكِ

عرفني الشرود .

ما أقسى قلبكِ ..

وطنٌ للشوكِ لا يعرفُ حدود .

لذا أشتهي صَلبكِ ..

على صليبٍ من حَنين

ثم أغطيِّكِ ..

بوردٍ و فلينٍ و بارود .

و بلا شهودْ ،

أحِلُّ ضفائرَ شَعركِ ،

أُذيبُ كحلاً أسود .

أمسحُ فوقَ العينين

أغلقهما فلا تشهدْ ،

موتاً في المُقلِ يتعدد

مَلكاً يُساورُ قبراً

تمدّد ..

على جانبهِ فتى حَزين .

خيوطٌ شعثاء

 

الوجهُ الرائقُ

العذبُ المتأنِّقُ

يتنسّمُ رطبَ الهواء

و تهفو عليهِ الشقائقُ .

يختفي من يديِّ عند اللقاء

فشيئاً مني أُعانقُ .

يسقي الحضورَ بالروّاء ،

مختومٌ على فمهِ العلائقُ .

يشيّ سيرهُ بالصَباء ،

كنهرٍ للبراحِ يُسابقُ

يحملُ ساعةً برسغهِ الملساء

تفرُّ منها الدقائقُ .

تغرفُ من حرّاء قلبي بالخفاء

مثلما تفعلُ المعالقُ .

حُمّىً سُمتُ جرّاءها البلاء

أشعلتْ في حشاشتي حرائقُ .

لولا أنهُ أمرُ القضاء

لرغِبتُ أن أبيتَ مُشاقِقُ .

فغصنٌ من جنّةٍ فيحاء

يزهو بجذعهِ المتناسقُ .

ذاتُ شفاهٍ رقيقةٍ حَلواء

قطيفةً تَضبُّ القطرَ الذائقُ .

سامرٌ سوّى خيوطَاً شعثاء

دونَ أن يدري أو يكُ موافقُ .