Friday, September 13, 2013

أول طريق

 

 

 

sketch-11

عبرتِ مخيّلتي . ذبّلتُ عيني كي أنسى

كي أذبَّ عن نظريّ غَباشاً كحومةِ الذُباب ..

كنتُ في جِلستي رجلاً مُرتاحاً أعمى .

خالَ السعادة بإيقادِ الشمعِ الذي ذابْ ،

فتراكمَ و تعاظمَ و تصاعدَ المبنى .

رفعتُ صفحة وجهي من صفحةِ الكتابْ

تذكرتُ تقاطيعكِ الضائعةَ هُنيهةً ،

كتقاسيمِ أغنيةٍ كدمِ النازفِ المُصاب .

تطابقتْ رموشي الخَدِرة الوسنى ،

عِشتُ غيبوبةً أُريدها و اخترتُ الغيابْ .

لن أدعوكِ منذ الآن حبيبتي الأنقى ،

فلا أخفيكِ تلوّثتُ و أضعتُ الصوابْ .

تشبّعتُ بالأحاسيسِ و ما أسرعَ ما تفنى .

لو أن دمعةً مُضيئة انثالتْ في لحظةِ انتِحابْ !

لذرفتُها على نفسي العائشة في منفى ..

و غَابْ .

 

أنثرُ في الذِكرى ما ضاعَ من سنين

و ما أذاقني من صورِ العذاب تفَانين .

هو الشوقُ يدفعُني و يسلبني تردد الخائفين ،

ألا لو كنتُ أقربَ إليكِ ، إذن لعرفتِ تتصورين

كيفَ يشحذُ أنفاسهُ ذاكِرُ الحبِّ على حدِّ سكين ،

و كيفَ يكتمُ أنفاسهُ ، عبثاً ، جَسدٌ عاشَ بين الجثامين .

فالجسدُ قبرُ المُتحدِّثِ لا يخطؤهُ نظرُ عين ..

و أولُ الحدود ، تتحرشُ بإرتحلاتهِ طفولةُ الحالمين .

و صفعةٌ تؤلِمُ و تورثً لوناً أحمراً كاليقطين ..

فلا تسألي عن سرٍ فيهِ أنتِ تشهدين و تحكُمين ،

إذْ الدمُ ربما قرصةٌ أو نسمةٌ جرحتْ تفاحةً في الخديْن .

و انهارَ على إثرها طوفانُ حُسن ٍ و حساسين ..

هذا ما يتبقى من الحُبِ بعدَ أن تذهبين .

هذا ، بعدَ أن تكتسحي ميداناً فيهِ رجالٌ مُهانين .

ثم تدعيّنَ البساطةَ ، و يقفزُ فلقتا قمر ٍ فوقَ العينين ،

و يحلِّقان في صباحٍ خُلَّبٍ و رمشين مُطهميّنْ .

يخذلني عدمُ فهمٍ و استهجانٌ ضدّكِ يا مَنْ تكذبين ،

يا رسمةَ الملاك ، و أنتِ للربِ تَسجدين ..

بصوفيّةِ الفنّان و خلالَ أصابعهِ تكبُرين .

تخطيِّنَ المسافةَ بين مكانيْن ، و هناكَ تصبحينَ

سيدةً للوقتِ و عرّافةً ، أختاً للمجانين ..

 

غائراً في رِحاب الفضاء قمرٌ اكتملْ

يجاري الشموس فيصنعُ دورةَ الأجلْ .

يستنيرُ وجههُ بضياءٍ يُشبهُ ألَقهُ الغَزل ،

عبرَ جلاءٍ فسيحٍ تتوهُ فيهِ المُقَلْ .

و أسيرُ أشدُّ بيدي حَبلَ الحَمل ،

و كلبٌ يعوي ورائي ، خَبرَ المَنزِلَ و المُرتحل .

و غابةٌ في البعيدِ سامقةٌ أصابها الشَلل ،

تلوحُ كليلٍ في ليلٍ مُتربَصةً بالخوفِ و الوجَلْ ،

صريرُ زيزانِها و غيلانها و جُعلانها يَصِلْ ،

روحٌ بريحٍ تُقلِّبُ الكائنَ المُنتحَلْ ..

 

للقمةِ الخُبزِ هِمتُ في براري الإنصياعْ

حَبّاً من ذَرورِ الأرض أجمعها صاعاً فصاعْ ،

بحجمِ عُقلة الإصبع و مُقلةِ العينِ و في نفسي مَشاعْ .

و لولا وعداً منذُ أعوامٍ خَلتْ ، لقلتُ مُضاعْ

أن يصرخَ الراعي في وادي الرِعاعْ ..

أيُ خذلانٍ يهزُّ شمسي

عند إطباقِ رمشي حينَ يلتقي الشُعاعْ .

و قبلَ أن أرسمَ موجةً على شطِّ رِمال ،

كادَ أن يكتملَ شكلُ القِلاعْ ..

فضيّةً تلمعُ توزِّعُ في الجِهات الشمائلْ .

و على استقامةِ الطريقِ تتحاذى منازلْ ..

ثم يفرقُ الشارعُ الأسودُ مثلَ الجدائِل .

و ينطلقُ صمتُكَ حافٍ يحملُ وجهكَ بلا قِناع ..

فلتسقطْ عنكَ السلاسلْ ،

و اكتئابُ الحقلِ اليافع .

 

 

هلا افتكرتِ وقفةً بيننا على عطفةِ الدَرجْ ،

لامستْ فيها يدي يدُكِ و تخادشتْ أصابع ..

عند بِركة صمتي و ذاكرتي الآن لا تؤلمني ،

أحجارٌ في القاعِ اجتمعتْ من الأماني ،

سجّلتُ فوقها أبجديتي الأولى و طقوسَ حُبكِ و الأغاني .

اختلفتْ أفوافُ زهرِ اللوز و المعاني ،

فالغصنُ في صدرِ الشجرةِ رمحٌ مُخادِعْ ،

و بِركةُ الأسرارِ مَرتعٌ للضفادع ..

 

الرُعاةُ يركبونَ متونَ الجداولْ ،

داسوا وشوشات الماء بالصنادِل ،

حينما عبروا بقربي و قد أخبروني

أن في الحربِ القادمة ستُحال الضفادعْ ..

في أيديهم قنابلْ .

إذاً اصعدْ يا قمرُ سلّةَ السماء رغيفاً يوجُّ ،

اخترتُكَ أنتَ قُرباناً و ساعي رسائِلْ ..

 

مطروداً من جنّتِها طَفِقتُ ألملِمُ عُرييّ ،

أجمعُ مُزقاً بخيطٍ من لحمي و شَعري .

أضمرُ لها حُبّاً و أنا أجري ..

بعيداً عنها أكتمُ في قلبي سِريّ ،

عاضّاً على شفتي بما نلتهُ من نَشوةِ الظَفرِ ،

ثَمِلاً بدموعي ، تَحفِرُ خدودي كالنَهرِ .

حقاً الوقتُ في ساعتي منذُ سنتينِ لم يَسِرْ ،

أَسِفتُ للحظةٍ قالوا فيها تَزوَجتْ و ألهجوا بالخَبر ،

سرّوا لأجلكِ إلا أنا ، فقد شَرعتُ بعدها في هِجرةِ الصَبر .

كم صارَ الآنَ عُمري ، هل كَبِرتُ و جاوزتُ مرحلةَ الصِغرِ ،

أم أبقى مرهوناً للأبدِ بينَ خُذلاني و كَسري ؟ .

 

و أجدُني أنسى جفوناً مَعقودةً بالسحرِ ،

رموشاً تهتزُّ كالوترِ ،

فراشاً يَبرِقُ على الخَصرِ .

فلا كانَ يُخامِرني ،

مَشيُّكِ مع هزيجِ الناسِ مرشوشةً بالعِطرِ ،

دوسيّ على ورقِ الوَردِ و ضُوءِ القَمرِ .

و لكِ أن تَسخري ..

فالمسافةُ بين المُدرِّسِ و المُهندسْ ،

هي ذاتُها بين الكوخِ و القَصرِ .

و لكِ أن تَعظي ..

فأنا شيطانٌ أوسوِسْ .

 

أرتجي ما لا يُرتجى

أن أفتحَ قبضتي المضمومةَ

فلا يفنى النَدى ..

أن أستردَ دموعاً ذرفتُها

في ميعة الصِبا .

أن أخلو إليكِ في ساعة رضا

و أنالَ الحظوةَ و المَنزِلْ .

و قد كنتِ جميلةً كفايةً وقتها ،

عندما تأملّتُكِ في مرايا المَحلْ

و رأيتُ دمي في كأسِ العصير

كأنما زيِّدَ إليهِ ماءُ الحَللْ ..

و شَهِدتُ جَسدكِ النَحيل يرتخي ،

غَريباً عني ، و كانَ بصحبتكِ رَجُل .

وَضعتُ كفي على الطاولة لأتبينَ الخَللْ ،

كيفَ نَزلَ الحُبُ في قلبي ..

و كيفَ رَحلْ ؟

 

Monday, August 26, 2013

المِلح – نصّ في فصول

 

 

 

سيُقال فيما بعد أن شاهر كان على صوابْ حينما زعقَ في وجه أكبر رأس تصدّرتْ عملية شراء أراضي الضيع المهددة بالغارات و الهجماتْ . لكن أحداً ممنْ اُعتبِروا من وجهاء البَلد و كباريتها تكلم . ظلّ الصمتْ سيد الموقف ، حتى عندما جاملَ البعض و فضَّل آخرون سلك مسلك المداهنة و المُهادنة .. كان موقف شاهر الغضب الشديد ، و قد قذفَ كل رأس بحجر حسب ادعاء الذين نافحوا عن أبو سالم ، الرجل الذي جاء في النهاية ليقشّ كل شيء ، الأراضي و السواقي و البهائم . لأن من المرجّح أن يقوم اليهود بالمباغتة في أي لحظة و لن يكون باستطاعة الرجال الصمود أكثر من ليال ٍ معدودات . هذا ما كان تُنذر به طلّة أبو سالم على عتبات المجالس و في كل مضافة كان ينزل بها لشرب القهوة و نفخ النركيلة .

 

سوى أن شاهر اقسمَ برحمة أمواته أن ذلك لن يصير ما دام الرجال فوق أراضيهم و بين جُدران أحواشهم . سيهرّبون السلاح بمعرفة بعض الثوّار من الضيع المجاورة ، و متى استقرّتْ البنادق بين أيديهم و كان بوسع واحدهم أن يُطلق ، فإن الأحرى بالرجال ثمتئذ ٍ أن يموتوا كي تعيشَ الأمهات و الأطفال بين أراضيهم و بيّاراتهم . و شاهر الذي لا يُحب الكلام كثيراً و لا المتحذلقين ذوي البذلات و الأحذية اللمّاعة ، بقي يحرث الأرض برجليه الضخمتين المُشققتين الحافيتين ، مكشوف الصدر و الظهر للهيب شمس العصر ، لا يكل عن دفع سنّ المحراث في ثُلم الأرض و شقّ بطنها بالمنجل الحديدي العريض ، أكان ذلك يتم بواسطة ثور أو بزنديه شديدتيّ السُمرة غزيرتيّ الشَعر .

 

تفاجأ الرجال بشاهر ، إذْ أنهم لم يعهدوا منه هذا المزاج و العَنترة . اعتادوا أن يبتوّا الأمور معه بكل تصافي و مودة و على بساط أحمديّ . و في حادثة جاره أكرم النادر أكبر مثال و شاهد على سِعة صدره و زنة عقله . إلا أن شاهر هذا المرة بدا كمن يحمل السُّلم بالعرض مُصرّاً أن القرية ستقف على قدميها أمام لسعة الخيزرانة الغريبة الغاشمة المتحيّنة . إنهم لن يذهبوا أبعدَ من قريتين من هنا و بحوزتهم بُقج و صرر خفيفة ، يوم يومين ثلاثة .. شهر إن طال اللجوء ، ثم الكرّ ثانية ً إلى البيوت . و السماور الساخن ، سينالهُ البرد قليلاً إلى أن يعودوا بالسلامة .

 

-        طيب فهمنا .. أجلَّ الله مقداركم .. و أبو سالم الزفتْ ما شأنه ؟

 

-        لا تقلْ زفتْ ! ، الرجل ما أخطأ بحق أحد يا شاهر ..

 

ردّ إسماعيل شُكري مستلماً دفة الكلام من شاهر الذي دخل المجلس  و هو في غاية الإضطراب و التكهرب . بعدها قام أبو إسماعيل برفع كأس الشاي الفارغ و الموضوع على طبليّة الخشب ، ثم قال ، و هو يُمسك الكأس عارضاً إياها أمام الجميع بين أصبعيه ، مُقِّلباً عينيه في الرجال :

 

-        أتصدقون يا ناس أن أبو سالم كان يدفع حق كاسة الشاي الذي يشربها في المضافة قبل أن يجلس .

 

و تناهى من الناس صوت الإندهاش و الإكبار .

 

هكذا كان . سلّم أناسٌ كثيرون أراضيهم لأبو سالم على سبّة الإيجار أو الرهن أو الوديعة . و هذا الأخير جعل يفرش الأوراق و الإثباتات التي تحمل بصمات الرجال و الأختام في كل محل ٍ تطأهُ قدماه و كل جمع ٍ يشهدهُ أهل القرية .

 

حاول شاهر مِراراً أن يضبط شعوره بالكره اتجاه أبو سالم و الذي أضحى يُسمى بالشيخ بين الناس . أول الأمر استقبلهُ تحت ظلّ تينة و شرعا يتكلمان في قضايا متنوعة تخص القرية و أحوال الناس و أخبار البلاد . و في المرات التالية لم يلمس شاهر في كلام أبو سالم ، الرجل المحنّك ابن السوق ، غير التلميحات و الحديث عن و ساطات و حالات مماثلة لأصحاب أراضي امتنعوا عن المشاركة في عملية التجميع و التحصيل . التزمَ شاهر الصمت فأقبضَ على انفعالاته و اندفاعه . و قبالته جلسَ أبو سالم بحطّته و عقاله يلفّ دخان الهيشة بيده المعروقة التالفة . كان على الأرجح بين الخمسين و الستين سنة ، في وجهه شامة و في مشيته عرجة واضحة . لا يُعرف بالضبط من أين جاء ، و لكنهُ اُستقبِلْ هنا كرجل محترم أو لنقل مُستثمِر ذو أعمال . شاهدهُ شاهر و هو يدوّر عمود السيجارة بين أصبعيه ، يلعق ثم يتفلْ .

 

لا بدّ أنهُ تذكّر الليراتْ و الدنانير ، حدسَ شاهر برأسه الفلاّح غزير الشعر و جبينه النّاز بالعرق أن هذا الرجل العجوز انتهى إلى نتيجة و خلاصة في الحياة مفادها أن الأشياء تتشابه في يد الشيّال ما دام قبض أجرته و نبضَ في عرق ظهره الحيل .

 

-        ها ! قل لي يا ولد العم ، كلامي عجبك أو لا ؟

 

-        أي كلام يا أبو سالم ؟

 

-        كلامنا المرة الماضية . باين أنك نسيتْ ؟

 

-        تكلمنا كثير كلام المرة الماضية يا أبو سالم . يا ليت توضّح و تحط أصبعك على الجرح .

 

- ماشي ، رح أكون صريح و مكشوف معك يا شاهر .. الأرض همّ البلاد يا ولدي . أنت سامع اللي يصير . اليهود أولاد الحرام ما خلوّا حجر على حجر و الخوف كل الخوف من التردد و التشتت .

 

- و المعنى ؟ ما فهمتْ ..

 

- لا ، أنت فهمتني مضبوط .

 

رفع السيجارة عالياً و نفضها بخفّة و زاد :

 

- أنت تهمني يا شاهر . الإنسان الذي لا يسلّم بسهولة هو الأحق بالإعتبار و الحسبان ، و الواحد في النهاية يكشف عن نفسه و يبزّ رأسه من رأيه و مواقفه . أنا ما نزلتْ من السما يا ولدي ، أنا مثلك فلاح ابن فلاح .. و إذا فكرك أني ما تعبتْ في حياتي ، فهاكْ .. اطلّع ..

 

شلحَ عن قدمه عارضاً لهُ التسلّخاتْ و الشقوق على حوافها و كعبها .

 

- بلا مؤاخذة . أنتَ شبّ و دمك فاير و ينقصك القلب الخبير المجرّب . الأرض يا شاهر مثلها مثل أي شيء ثاني في هذه الدنيا ، لكن الإنسان في نفسه غريزة التملّك و نزعة للبقاء ..

 

يعني اضرب لك مثل : بتقدر تحزر كم عدد الأراضي التي بعتها و اشتريتها ؟

 

قاطعهُ شاهر و قد نفد صبره ..

 

- مش رايد أعرف يا أبو سالم .. و بالمناسبة فنجان قهوتك بردَ على الطاولة .

 

- مقبولة منك .. فكّر بالكلام الذي قلته لك يا شاهر .. الأرض تروح و تجيء . تذكر أنكَ نزلتْ من بطن أمك عاري حافيّ .. ربك الذي يرزق و يعوّض .

 

- يمكن يا أبو سالم ، قلبي غشيم مثل قشرة البصلة .. و بيني و بينك ، أنت قلبك شاخ و يبس و صار يحتاج إلى تزييتْ . كلامك كله لا يعوّض لي شعوري بالفرح أمام الأرض لما تُبذر و تُفلح و تثمر . وقتْ ما ينوّر اللوز أو يعقد التين و العنب .

لما ضوّ الشمس يقشّر حبّات التفاح المعلّقة على الشجر ، لما تشتهي في نفسك و أنتَ واقف بعيد عن صف الزرع أنّك تركع على رجليك و تبوّس رجليها مثل لو أن أمك قاعدة مكانها على الأرض و بين التراب ماسكة بيّدها حصى و بتسبّح ..

و قامَ شاهر من ركنه و تحرّكَ مبتعداً ، و بإيقاعٍ مسرحيّ توقّفَ في الفراغ ، تحدّهُ السماءُ من الأعلى و تحاذيهِ أكوامُ التراب . رفعَ ساعديهِ على استقامةٍ واحدة بالتوازي مع رقبتهِ فيما كانَ ظهرهُ مشدوداً مُنتصبَ القامة تغسلهُ أشعة الشمس .

و فجأةً انحنى و أمسكَ بحجر ، فعلَ ذلك بسرعة ٍ و دون توقّع . فأربكَ أبو سالم الذي ظنّ أن شاهر سيضربهُ كشيطانٍ يُساوم على جنّة فيُعاقَبْ بالرَجم . لكن شاهر قطعَ حبل التوتّر بأن أرخى الحجر من يدهِ و جعلهُ يسقط .

و عادَ صوتُ شاهر يتردد و هو ذاهلٌ عمّا حوله حتى أبو سالم نفسه ..

- من ثلاثين سنة كانت الأرض قطعة كاملة مسجّلة بقوشان عيد إبراهيم أبو خضرا . رجلٌ معمِّر ليس لهُ أولاد ، لكن عنده دونمات شويّ و شويَّات ، البهائم تسرحُ فيها و تضيع . و جاءَ اليوم الذي أكلَ فيهِ أبي لقمتهُ من الرغيف الكبير . أبي فلاّح يا أبو سالم ، دفنتهُ بأصابعي في مَطرح بعيد عن مقعدك خطوتين أو ثلاث .

التفتَ أبو سالم خلفهُ و ضايقهُ الشعورُ بأنهُ طيلةَ ذلك الوقت ، كانَ يدوسُ على طينة إنسانٍ ميّتْ . و لم يجد ما يدل على قبرٍ أو شاهدة . لقد بدأتْ السخرية بشخصهِ و قلّة القيمة .

- صَدُفَ أن مرَّ تاجرٌ من القرية . أُصيبَ التاجر بمرضٍ و ارتاحَ في القرية ثم ليُكمِل مسيرهُ ز كان يشكو من صدره ، يكحُّ بحشرجةٍ هائلة و رأسهُ تغليّ نار . بعدها أحسَّ بثقلٍ في رجليه و جعلَ يبكي و ينوح . و في الليالي التالية ، التي باتَ خلالها في القرية ، صارَ يطلبُ أمهُ في كل حين و ظهرتْ عليهِ ، حسب قول الناس علامات الخَرف . كان ينزل في خان إيجار ، اشتكى النزلاء من الوضع .. قالوا أن ذلك لا يجوز ، فذهبَ أبي الذي سمع القصة لا أدري من أين و أحضرَ الرجل و دلّكَ جسمهُ كُله بالزيت المغليّ . قلبهُ أول الأمر على ظهرهِ فوق الفَرشة ، ثم عصرَ معدتهُ و أحشائه بقبضتيْه . كل ذلك حدثَ أمام أعيننا أنا و إخوتي . راقبنا الرجل و هو يئِّن ثم و هو يتقيّأ . عيناهُ الحمراوان و الزَبد الذي في فيهِ لا تزالُ ماثلةً في الذاكرة .

و في اليوم الثالث من إقامتهِ في بيتنا شُفيَ التاجر . و نظير جميل أبي ، اشترى لهُ التاجر نصيباً من الأرض . دامَ الأمرُ دقائقاً معدودات حتى استلمَ الأرض و صارتْ مُلكه ، تَعِبَ و شقى و استنزفَ نَفسهُ لأجلِها ثلاثينَ عاماً بطولها . تلكَ الثلاثين سنة نَفسها التي قَدِمتَ تساومني عليها الآن .. 

 

 

Tuesday, July 23, 2013

ربّة العهود

 

 

كم مرةً خُلقتِ فيّ يا ربّةَ العهود

و طبولاً أُعيدَ دقّها ..

و ناراً و وقود .

سريِّ يرحلُ معكِ

و إن جئتِ لا يعود ،

حفظتهُ في قرارتي تعويذةً

تلوتهُ عليكِ بلا شهود .

و على الطاولةِ خَزفٌ و ورود

و رأسكِ على كتفي مَسنود .

يا ربّة العهود ..

كيف لقلبٍ أحبّكِ

أن يأكلهُ الدود ؟

أشتاقُ لشكلِ العينين

و انفراجٍ في الشفتين مقصود ..

يتناهى لي صوتكِ من مكانِ الخلود .

من نقطة التكوين ،

تسطعُ بروقٌ و رعود ..

 

يا ليتَ لي أن أكسرَ خلوتكِ

و أطأ باب غرفتكِ .

و أصيرُ أشبهُ لعبتكِ

أسرِّح داخلَ الخزانةِ فساتين .

على الطاولةِ بروازٌ لصورتكِ ..

" تبتسمين "

 

أُقيمُ في كمين ؟

أم مُعتَزلٍ للمعبود ..

يومَ التقينا هناكَ عندكِ

عرفني الشرود .

ما أقسى قلبكِ ..

وطنٌ للشوكِ لا يعرفُ حدود .

لذا أشتهي صَلبكِ ..

على صليبٍ من حَنين

ثم أغطيِّكِ ..

بوردٍ و فلينٍ و بارود .

و بلا شهودْ ،

أحِلُّ ضفائرَ شَعركِ ،

أُذيبُ كحلاً أسود .

أمسحُ فوقَ العينين

أغلقهما فلا تشهدْ ،

موتاً في المُقلِ يتعدد

مَلكاً يُساورُ قبراً

تمدّد ..

على جانبهِ فتى حَزين .

خيوطٌ شعثاء

 

الوجهُ الرائقُ

العذبُ المتأنِّقُ

يتنسّمُ رطبَ الهواء

و تهفو عليهِ الشقائقُ .

يختفي من يديِّ عند اللقاء

فشيئاً مني أُعانقُ .

يسقي الحضورَ بالروّاء ،

مختومٌ على فمهِ العلائقُ .

يشيّ سيرهُ بالصَباء ،

كنهرٍ للبراحِ يُسابقُ

يحملُ ساعةً برسغهِ الملساء

تفرُّ منها الدقائقُ .

تغرفُ من حرّاء قلبي بالخفاء

مثلما تفعلُ المعالقُ .

حُمّىً سُمتُ جرّاءها البلاء

أشعلتْ في حشاشتي حرائقُ .

لولا أنهُ أمرُ القضاء

لرغِبتُ أن أبيتَ مُشاقِقُ .

فغصنٌ من جنّةٍ فيحاء

يزهو بجذعهِ المتناسقُ .

ذاتُ شفاهٍ رقيقةٍ حَلواء

قطيفةً تَضبُّ القطرَ الذائقُ .

سامرٌ سوّى خيوطَاً شعثاء

دونَ أن يدري أو يكُ موافقُ .

 

 

 

 

Thursday, June 13, 2013

كباقي البَشر

 

كباقي البَشر .

 

com

 

 

مَنْ اقترفَ منّا الحب أكثر ؟

مَنْ حرّك القلم على وجه الدفتر ؟

مَنْ أسلمني للضياعِ كل هذه السنين

و أنكرْ ..

أنهُ قلبي الذي لا أحيدُ عنهُ مبلغَ إظفرْ .

أتذكرْ ، و سأظلُّ مدى العمرِ أتذكّر

جِلستك و خلفُكِ تسترخي أغصانُ الشَجر

في ظلال ٍ فاقدة اللون ِ ، تتكئينَ على الحجر

مشيتُ بقربكِ أجرُّ هزائمي مُثقلُ الظَهر ..

كأنمي ناظريّ يظنني بالغٌ في القِصر .

طاوياً رقبتي كمالك ِ الحزين في جفافِ المَطر ..

لو أنكِ ضممتني في تلك الساعة ِ لتغيّرتْ ساعات القدر

لو أنكِ وعيتِ أن مسافراً ليسَ يجنحُ للغياب لو تأجّل السَفر

لو أن واحداً في المطار قالَ لهُ يا أخي لا تغادرنا و اعتذر

لو أن عجوزاً بكتْ على صدرهِ مصادفةً و قالتْ لهُ انتظر

كانتْ نصائحُ الحبيبةِ المؤجّلة حينئذٍ لا تضيعُ بلا مستقر

 

يا صاحبة الندوب نسيجُ الجُرحِ أنبتَ فيهِ الزهر

أزهارٌ  بلونِ  الدَم  القاني ، رائحتُها تفضحُ الجاني المستتر

ثملٌ أنا بإبتسامتها إلى اليوم ، و قد أجرعتني من تأدّبها الخَفر

ما خافتْ من صديّ البريء للصور .

فأنا بِكرٌ في مخيلتي لم أزل و طفلٌ مثل القمر

بل سخرتْ و تندّرتْ و وصمتني بغريبِ البَشر

ضحِكتْ باللؤلؤ في فمها و سمعتُ اللؤلؤ ينكسر

عن اسمي و رَسمي و شحوبِ وجهي الأصفر

 

أزهارٌ سيقانها كالخناجر في صدرِ التراب الأسمر

تتدلى بتلاتها البيِّض بلا اهتمامٍ مُضمَر

لا دليل لديّ لا حُجة و لا بصماتُ الأثر

لا بّد ليدٍ مجهولة أن مُدّتْ و تركتْ فوق الصخر

فوق دفاتر الشِعر ..

فوق ليال السهر .

أنفاسُكِ التي أُحِب .. أنفاسُك التي مثل العِطر .

و إلا مالذي يُمسِك عليّ خيوط القَدر

و يجعلني حائراً أتهيّبُ من حولي الخَطر

و كلما أردتُ أن أطلقَ لحناً انقطعَ الوتر

أرثي لحالي و أندمُ بغير صَبر

فإذا الجيادُ انهزمَتْ قوّادها لم تُلم

على الفَرر ..

يا ليتني كُنت جباناً جرّاء الظَفر

و لا كُنتُ شجاعاً خاسراً إيّاكِ مدى العُمر

و إذا الجيادُ التقتْ هناك ذليلة المَنظر

تتخافتُ في إثرها الأصداءُ و المَغبر

تشتهي انتحارها أو يأتيها بعدَ لأي ٍ الخَبر

فإنها مشدودةً تلبثُ إلى الأمسِ المُبهِر

عصيُّ عليها أن تفقدَ الذاكرة فجأةً في وقتٍ لا يُذكر .

كي تنطفىء ملامح الرجل المُنتصِر

و أذبّ عن الأزهار نحلاً مجهولَ المَصدر ،

لعلّهُ خرجَ من الأشجار من المختبرِ من الدفتر

سأمضي خاليّ الركب إلى حتفي كباقي البشر .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Friday, April 19, 2013

. أمي

 

أمي .

 

babyandmom 

قطعة ُ العجين التي تسري خلالها دماؤها و تتقاطُعُ آثارُ العروقِ و الجُرحِ و السُّرة ، تقومُ بتقليبها و الطبطبة ِ ما شاءَ لها الإنتفاخ و اتخاذَ هيئةَ المخلوق الكامل ، ذو الساقين المغروزين في بطن ٍ يعلوهما رأسٌ بشعر ٍ خفيف و زريّن يحدِّقان من مرقدهما بين الجفون إلى أطلال هذا العالم . و الأمُ فتاةُ الأمسِ ، التي أَمنتْ رجالَ الحقل ، إذْ باتوا ينادونها بأمِّ فلان ، خطبها واحدٌ منهم بشاربين ثقيلين و وجه ٍ قاس بسببٍ من وهجِ الشموس و قلّة النوم و الأكل . سيجيءُ من النافذة التي يلوحُ عليها ستارٌ شفّاف ، تراهُ من جلستها بين الوسائد المشغولة بشكلٍ يدويّ ، في فترةِ المغرب . يمشي قُربَ الأشجار .. يحيّ الأرض و يَفحصُ البراعم الجديدة التي نَمتْ على الأغصان .

و الأمُ الزوجة تكمشُ من المُنخل ، الخشبيّ المستدير ، حفنات القهوة و تُلقي بها على النار لكي تتحمّص و يَكسحَ جوُ المساء رائحةَ القهوة المُنعِشة ، فتختلطُ برائحةِ الأرض في أنفهِ الكبير ، فتظنّ أنها قد استعجلتهُ ، و ها هو يكسرُ صمت البيت بندائه .

ينحنيّ و يرفعُ الطفل عن سجّادة الصلاة . تُسرِعُ الأم فتغسلُ رأس وليدها المتوسِّد كتفَ الأب بماءِ زَمزم . و الأبُ يمسِّد على ظهره و أذنيهِ المُنمنمتين ، و يلهجُ بالدعاء و الأم تردد ما تسمعهُ من زوجها . فيجتمعُ الثلاثة بالتصاقٍ يلوي فيهِ الخوفُ عنقه ، و تتفتحُ مسامُ الكلام عند الأم لكي تُفصِحَ عمّا جالَ بخاطرها طيلة اليوم لزوجها ، و تغدو ملامح الزوج أقلُ قسوة ، و يختفي الرضيعُ في أحلامهِ الخاصة .

-" ناحَ العكروتُ الصغير " ، يقولُ لها ، و يهزّها من نومها كأنما يهزُّ جذع كرمة ِ عنبٍ حَفرتْ الأرض جَنبه . تقومُ متثاقلة . تدفعُ بثديِّها الأشقر من تحت الثياب و تدسُّ في الفمِ الصارخ حَلمتها . دودةٌ حمراء ترتعشُ في شقِّ الصخرة ، و يحكُّ الرضيع برأسه ِ مَلمس الثديّ الناعم ، و لا يُفلِتْ بشفتيهِ نافورة الحليبِ التي يَنصبُّ نَشيشها في حلقهِ و يُرطِّبُ جَوفه .

يراقبُ الأب هذا المشهد ، و قد شبّكَ بين أصابعه ِ خلفَ رأسه . لقد نهَضَ إلى مَطرحٍ قصيّ و عَملَ نَفسهُ لا يُتابِع . لكنهُ مُنتشيٍ كفاية .. و يوميء من طرفٍ خفيّ إلى امرأتهِ باتجاه النصفِ المستور من صَدرها ثم يشيرُ إلى نَفسه .

فتضحكُ و تقولُ لهُ :

- " لقد خَلُص دورك .. "

تتابع الأيام و يستديرُ جسد الطفل . تملأ الأسنانُ فَمهُ ، و يستطيلُ رمشُ عينيه مثل الفراشات . تقلقُ الأم ، فقد حانَ وقتُ فطامه . لا شأنَ لهُ منذ اليوم بثديِّها .. سيتخاصمان . تَقدحُ زِنادَ عقلها في البحثِ عن طريقة لأجل أن يكفَّ الطفلُ عن طلبها . و يُقلعَ بنظرهِ إلى بستان ِ الحقل بدلاً من البستان صَدرها . و يفهم في غور غريزته أن ثمّة مذاقٌ آخر على شفتيه عدا مذاقُ الحليب ، و بَردٌ يَعصِفُ بالعِظام .. و مسافاتٌ تُقطع أبعَدَ من صدرها إليه .

فأخذتْ من سائل القهوةِ المُر و دَهنتْ أطرافَ الحلمة . ثم جّذبتْ إليها الطفل ، فجعلَ يشدُّ و يرخي باطنَ الثدي كالقربةِ ، قبلَ أن تتدفق كآبةٌ إلى روحه ، و يحسَّ لأول مرة في حياتهِ بهاظةَ الشيء المغشوش .

بَصقَ الحلمة و خبطَ بقدميه . بكى من القهر ، سالتْ دموعهُ ، و تورّدَ سؤالٌ في فيه : " يا أمي لماذا ؟ " .

 

في ظهيرةِ احد الأيام ، شاهدَ من فُرجةِ النافذة ، بأمّ عينيه ، جسماً كبيراً يتألفُ من بُقعٍ سوداء و بيضاء ، يأكلُ من عُشب الأرض . أَعجبهُ منظرهُ ، و زادَهُ رغبة ً أن يقترب َ ، لا سيِّما نفورهُ الطاغي و الهزيمة ِ التي مُنيَّ بها مؤخّراً . فزحفَ نحو النافذة ، و حدقتاهُ لا تنفكّان مُعلقتان بضرعِ البقرة ، و استراحَ تحتها يَمضغُ الحليب ، بينما تخورُ البقرة و تهزُّ ذَنبها .

قالتْ لزوجها : " الشعورُ بالذنب يأكلُ صَدري و يَفرشُ مَهجعي بالأشواك . لقد سلبتُهُ ما كانَ يلهفُ و يرنو إليهِ دائماً ."

 

على العُشب ..

يستمرُّ بمصِّ الضرع و إن ألفى عجلٍ يريدُ مزاحمته . لم ينقطع سيلُ الحليب ما دامَ متشبِّثاً بساقيِّ البقرة و فمهُ مفتوحٌ على اتساعه في مواجهة ِ الضرع .. و يَعضُّ .

بيد أن العيد جاء ..

ذَبحوا البقرة ، خرجَ منها سائلٌ أحمر . هّمَّ بالبكاء .. إلى اللحظةِ التي شاهدَ فيها أمهُ تنتظرهُ ، فاتحةً ذراعيها بشوق ٍ ، عند الباب .

1-3-2013

 

Friday, March 29, 2013

عُرس الرمّان المؤجَّل

 

                                                           ( عُرس الرمّان المؤجَّل ) / قصة قصيرة .

 mmv-designing-pomegranate-mohamad-mahdi-vejdani-20517588-1151-1293

ترنّحَتْ كثيراً قبلَ أن تسقطَ حبّات الرُمان من فمها على الأرض . كان يُمسِكَ بيدها فيحسُّ بنبضها الساخن و الدمُ يجري في غورها دفقات ٍ متقطّعة ، كُل واحدة ٍ يَكادُ يَسمعُها تنطقُ بإسمهِ علناً ، و في باطن ذراعها البيضاء الرَخصة انتفخَتْ شراينٌ خضراء بلونِ العشب ، فرفعَ رأسهُ و تطّلعَ إليها فوجدها تلهث بصعوبة . ساءلها بعينينِ حزينتين لعلّها تُجيب . لكنها لاذتْ بصمتٍ مُطبق ، و فاضتْ وجنتاها بحمرةٍ قانية تفشّتْ و ارتعشتْ لها الشفتان ذاتا النتوء الجلديّ الأشبه بالثؤلولة . يحتضنُها بين الحشائش و رمل الغابة ، إلا أنهُ آثر أن يفعلَ ذلك بشرف .. كأنما فارسٌ شجاع يمسُّ أرنبة أنف خصمه دونَ أن يجرحها أو يخدشها .

التي طَفرتْ لأجلها عيناهُ بالبكاء و أحسَّ من خلالها بنشوة ِ ذرف الدموع على رغم ٍ من تجهِّم طبعه و خشونة ِ ردّ أفعاله . كانت هي ، المكتنزة و الممتلئة كوردة ٍ مضمومة و المحشوّة برحيق ٍ معسول ، المُشتهاة لديهِ أبداً ، و التي لا يقدرُ على استيعابها في أحلامه ما دامَ حَضَرَ وجهها الحلو في مخيِّلته و ابتسامتها المقسَّمة على غمّازتين بالتساوي . ذاك ما يسميّه عَدل الجمال ، و أن بوسع الجمال أن يَحَكُمَ جنباً إلى جنب مع الحكمةِ و القوة . بل حدا بهِ الأمر أن يَقصِدَ بيت المختار كي يُفاتحه بما جادتْ بهِ تأملاّته الطويلة في ظلِّ شجرة الرمان ، و يَشرحَ بجملٍ قليلة مُقتصِّدة أهميّةَ الجمال في حياة الناس و مَرد تجاهلهم و إزدرائهم لهُ هو سببُ مصيبتهم و سوء طالعهِم . افلتتْ من ذراعه و قد ندّتْ عنها تأوّهة ، أخذَتْ تحبو على ركبتيْها و شعرُها يتهادى تلاعِبهُ الرياح . مدّتْ يدها إلى حبّات الرمّان المُنتثرة و التقطتْ ما تَبيّنَ بعدئذٍ سِنّها الذي فقدتهُ أثناء تزاحم الرمّان و عصيرهُ في جوف فمها . حملتهُ في باطنْ كفّها و عرّضتُهُ لأشعة الشمس فلمعَ في رأسهِ مرةً أخرى مرآها و هي تلوّح لهُ بالوداع قُبيل الظهيرة بقليل .

سبّلتْ عينيِّها بينما تشاهدُ القط الرماديّ الذكر صاحب الخصيتيّن الكبيرتين يعبرُ على السور المهدّم ، و الذي بناهُ أبوها حول البيت الطينيّ كي يَمنع تسلل المارقين في الليل و السائحينَ في أرجاء القريةِ ، و منهم الثوّار الهاربون و اللُقطاء المشرّدون و المجانين و اللصوص و غيرهم . فيحولُ بذلك اتخاذ حديقة البيت الواسعة و المتراميّة الأطراف حتى البستان كملجىء ٍ و مَخبأ من المُطرادة ، فيأمن العواقبَ و شرور التحرّشات . لكن السور رجعَ فتهدّم ، خارتْ أحجارهُ مثلما انفرطَ سِنّها و هي تقضمُ قلبَ الرمّانة ، اليوم عند الظهر . أمسكتْ بثمرة ِ رمّان ٍ موضوعة بجوّار حبّات أُخرياتْ التقَطها لأجلها بنفسه . و قامتْ من مجلسها ضاحكة ً و رمتْ الرمّانة من الشبّاك المفتوح فدقّتْ القط في ظهره . ماءَ القط و جعلَ يُفلفِص بقدميهِ في الهواء ، مُتشبِّثاً بحافةِ السور .

قد شَهِدتْ القريّة بأهلها مجتمعين أجواءاً متوتّرة مرّتْ بها عند عصر ذلك اليوم . تواجهَ الشابّان ، و أعلنَ كلاهما أنهُ سيُمرّغ شوارب الآخر في الطين ، تطايرَ الشرر و أقبلا يشتبكان بالأيادي ليدقّا عنقَ بعضهما البعض . فرّقَ الناس بينهما ، إلا أن طلقة الرصاص التي خرجتْ من مسدّس جميل شبكة ، أبو علي ، هي التي تكفّلتْ بإنهاء الموقف و فضّ العراك . قال جميل لعصام : يا ولد ، نحن نعلم فصلك و أصلك ، و الأنسب لك بطن الوادي .. أعلمُ أن ولدي على حق ، و ليسَ لك في هذه القرية محطّ  رِجل .. انصرفْ الآن و لا ترنا وجهك .

مشى عصام في الطرقة الترابية يجرُّ خلفهُ الحمير المريضة . كان حانقاً يَحدِجُ الوجود بسَخط ٍ مقيتْ .. نَزلَ إلى حفرة ٍ صَنعتها يدُ الطبيعة ، كانَ في نيّتهِ أن يُدخِّنَ سيجارة غيرَ أنهُ استغرقَ في النوم و قطيعُ الحمير حولهُ مربوطةٌ تَمتنِعُ عن أكلِ حَشاشِ الأرض .

بَعدَ أن تجرّأ عصام الجربوع على مقابلته أمامَ الملأ ، و حرّضَ كل القريةِ عليه ، مُنبِّهاً للخطر الذي سيؤول إليهِ مَرض الحمير ، و لا علاقة مُطلقاً لإنقصاف شجر الرمّان و عُريه من الأوراق و عَدم حَبْلهِ هذا الموسم و ما أصابَ الحمير . بل إن خطأ علي ، ابن جميل شبكة ، خَلقَ أصل الخلل و البلاء . فمنذ عام ٍ و نيّف ، استحوذَ علي ، الشاب موفور الصحة الذي يمتلكُ لحيةً ناعمة ذهبية جذبتْ إليهِ البنات المُغرمات بقوّته و سطوته و اعتدادهِ بنفسه ، على حق التصرّف بالدواب المتحركة كالخيول و الحمير ، في عموم القرية و بتفويض ٍ من المختار ، طَردَ الحمير لأنها نسلٌ وضيع و تَركَ القرية أسطبلاً كبيراً تصفِّق فيهِ خَببُ الخيول و المهوّر . اشتكى الناس ، احتجوّا .. قالوا كلاماً لا يجوز أن يُقال بحضرةِ المُختار و الشادّ على يده ، الذي في ظهرهِ و سَنده ، الآغا جميل شبكة .

استبدلَ أهلُ القرية حَميرهم و أتونَهم بالخيول الأغلى سعراً ، بشرط أن يَذهب ريعُ المحصول للسنةِ الأولى من شُغل الخيول في الأرض إلى جيب الآغا .. و الكُل مُلزَم .

حَزرَ اللُعبة ، و صَدقَ حَدسُه إزاء ما اتفقَ عليهِ الشيطانان ( المختار و الآغا ) ، الحميرُ مَريضة و سيُلقى بها إلى مزبلةِ الوادي دون اعترافٍ بماضيها المجيد في خدمة الأرض و أهل القرية . يَجب عليهِ أن يتصرّف فوراً . على باب القرية توقّف ، كانَ يضع كفّه في جيبه و يتحسس سنّها اللؤلؤ الذي احتفظَ بهِ و يخافُ أن يضيّعه وسط الخناقة مع الإبن المُدلل ، علي جميل شبكة .

أقسَمَ إلا أن يأخذها و لو خطيفة ، صمَم أن يَعقِدَ عليها بعد صلاة المغرّب . حاولَ الأب أن يقنعهُ بتأجيل الموضوع ، لكنهُ أبى ..

- أنتَ و المختار سَمنة على عسل . تعرف ما في داخله جيداً ، و سرّه في يدك مثل قشرة رمّانة . و البنتْ أخمرتْ عقليّ و تُرضيّ صبَابتي و ذوقي . فإذا لم أتزوجها اليوم فلن أتزوجَ أبداً ! .

شرّقَ بالدمع قُبالة شجرةَ رُمانٍ صغيرة لم يَنبُتْ عليها ثَمرٌ بَعدْ . شَعرَ بأنهُ محسود و مُستضَعف مغموط في حقه . كان العرس يُشعِل ليل القرية و أصوات الرقص و الطبل تصلُ إليه فتنزلقُ فوق الصخور مرددةً الصدى خلال الغابة و على مسامع الحمير الميتة و التي نَفقتْ بعد أن قَضتْ المساء تَحتضِر .

فَركَ عينيهِ مُستسلماً لقَدرٍ حَتّمَ عليهِ الإستيقاظ كي يجدَ زهرتهُ قد ٌقُطِفتْ و صارتْ في عُروة ثوبِ مَنْ لا يستحق .

حَملها على فَرسه و الناس يهنأونهُ و يغنوّن خلفه . طارَ بها في الظلام و الغُبار يُكوّن زوابِعهُ و أعراسهُ الخاصة . مضى بها و كفهُ تَمسّد مسدّسهُ في جيبه ، يَخافُ أن تقومَ جثّة َ عصام من مرقدها وسط الحمير في بطن الوادي و تُفسِدَ عليهِ ليلتَه . خَطفَ قُبلة أولى من شفتيّها الريّانتين و ألقى بجسدها المُسرّبَل في ثنايا الفُستان الأبيض على المِقعد . صبّ خمرَ رُمان ٍ مُستوّرد و أحضَرَ كأسين ..

لم تشأ أن تُخبِرهُ أن طعم الرمّان الحاذق باتَ يَلذع الفراغ الذي خلّفهُ السِنّ في موضع اللثّة . بل أسلمَتهُ قيادها .. بحكم العادةِ و الجَبروتْ ..

29 – 3 – 2013